لم تكد صفقة الصواريخ الروسية التي وصلت تركيا تضع قدميها على الأرض حتى قُتل دبلوماسي تركي، وأصيب اثنان آخران يعملان في البعثة الدبلوماسية التركية بمدينة أربيل شمالي العراق، حينما تعرضوا لنيران مجهولة أثناء تناولهم الطعام في أحد مطاعم الإقليم العراقي الذي تقطنه أغلبية كردية، ويحظى بحكم شبه ذاتي، فيما قالت الرئاسة التركية إنها تتابع الحادث، كاشفا عن أن أنقرة لن تتردد عن ملاحقة ومعاقبة الفاعلين.

وقبل قتل الدبلوماسي التركي بأيام أثيرت الكثير من علامات الاستفهام بشأن جدوى بقاء أنقرة عضوا في حلف شمال الأطلسي "ناتو"، لا سيما أن صواريخ "إس 400" مصممة خصيصا لإسقاط طائرات الحلف، وخلافا لتقارير ومعلومات قالت إن عدد قتلى البعثة الدبلوماسية التركية ثلاثة، قال بيان لوزارة الخارجية التركية إنها أُخْطِرت بمقتل نائب القنصل العام، وإصابة اثنين آخرين من البعثة خلال حادث إطلاق نار، فيما لفت بيان الوزارة إلى أن خطوط الاتصال مفتوحة مع الجانب العراقي لمعرفة معلومات أكثر عن الحادث، الذي وقع خارج مقر البعثة الدبلوماسية التركية في أربيل.

الصفقة!

ويخوض الإقليم العراقي صراعا مع تركيا، وفشلت محاولته بالاستقلال عن الدولة المركزية العراقية قبل نحو عامين بـ"ضغط تركي" كبير مارسته القيادة التركية على منصات إقليمية دولية لمنع تأييد خيار سكان الإقليم العراقي بالاستقلال وإنشاء دولة مستقلة على الحدود التركية، فيما يتصل هذا الإقليم بعمل الحكومة المركزية في العاصمة العراقية بغداد، لكنه يتمتع باستقلال شبه ذاتي، فيما رئيس الدولة العراقية هو من المكون الكردي، إذ يرأس السياسي العراقي الكردي برهم صالح الدولة العراقية.

وبينما تبدو أوروبا في موقف لا يسمح لها بالتخلي عن تركيا كحليف للناتو وتتحمل طموحات أنقرة، أراد الرئيس أردوغان أن يبعث رسائل عدة بشرائه صفقة صواريخ "إس 400"، مستثمرًا موقع بلاده الجيوسياسي الحيوي للتصرف وفق السيادة الوطنية، وهو ما دفعه للذهاب بعيدا وشراء نظام دفاع جوي روسي متطور، ونصبه على تخوم دول الحلف.

وقد ظهر هذا القلق في موقف واشنطن من هذه الصفقة؛ حيث هددت إدارة ترامب بإنهاء مشاركة تركيا في برنامج طائرات "إف 35"، إذا مضت قدما في صفقة صواريخ "إس 400" الروسية، ومن المقرر أن تلعب طائرة "إف 35"، التي تمتلك تكنولوجيا متطورة، دورا رئيسيا في عمليات الناتو لعقود مقبلة؛ حيث تشتري العديد من الدول الأعضاء، بما في ذلك بريطانيا، أعدادا كبيرة من الطائرة الجديدة.

رائحة الناتو

وأعطيت تركيا الحق في شراء 100 طائرة من هذا الطراز بسبب عضويتها في الناتو، ويتفهم الرئيس أردوغان جيدًا أنه لا يمكن السماح له بشراء أحدث الطائرات العسكرية الأمريكية، وفي الوقت نفسه يحصل على أنظمة صواريخ روسية مضادة للطائرات تم تصميمها لإسقاطها، إلا أن أردوغان يعلم ان أمريكا التي تأوي مدبر انقلاب 2016 فتح الله كولن، وأوروبا التي تدعم الأكراد نكاية في بقاء العدالة والتنمية في الحكم، لا يمكن اتخاذهم أصدقاء.

ونجح الرئيس التركي أردوغان إلى حد كبير في استئصال وقطع أيادي واشنطن وأوروبا داخل تركيا، وقال مسئول تركي كبير، إن تركيا ألقت القبض على اثنين من عناصر المخابرات في إسطنبول، وإنهما اعترفا بالتجسس على رعايا عرب لحساب دولة الإمارات، وأضاف أن بلاده تحقق فيما إذا كان قدوم أحد المقبوض عليهما إلى تركيا له صلة بمقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي في قنصلية السعودية في إسطنبول العام الماضي.

وربما أراد المعارضون لصفقة صواريخ "إس 400"، إيصال رسالة إلى أنقرة بقتل دبلوماسي يعمل في البعثة التركية بمدينة أربيل شمالي العراق، تقول لأردوغان إن تلك الصواريخ وإن كانت تحمي أنقرة من طائرات الناتو، إلا انها لن تحميها من الإرهاب الذي يمكن شراؤه وتحريكه وصناعته على حدود تركيا، وهي الرسالة الثانية بعد ظهور البغدادي زعيم ما يسمى بـ"داعش" ممسكا بكراسة كتب عليها "ولاية تركيا".  

ويحاول أردوغان استثمار الثقل السياسي والاقتصادي لتركيا، في صناعة أوراق للضغط السياسي على صانعي القرار في الغرب، لمحاولة إنهاء الانقلاب العسكري في مصر، عن طريق إبطال التأثير السياسي للسفيه السيسي وحلفائه الخليجيين، وإفشال مخططاتهم الرامية لتنفيذ أجندات الغرب وإسرائيل في المنطقة، بالتوازي مع تصاعد الغضب الشعبي ضد سياسات السيسي وحلفائه بما ينذر بربيع عربي ثاني، الأمر الذي يرفع تكلفة استمرار بقائهم في الحكم.

حيث يدرك المراقبين السياسيين، أن استمرار أي نظام وظيفي في البلاد العربية والإسلامية، مرهون بمدى نجاحه في تنفيذ الأجندة السياسية المرسومة له، وفي المقابل فإن ارتفاع التكلفة السياسية لبقاء أي نظام وظيفي في الحكم، يجعل من استبداله وتغييره أمر وارد.

حيث تمكن السفيه السيسي بعد نجاح الانقلاب العسكري عام 2013، من الوصول لقمة الحكم في مصر بدعم من اللوبي اليهودي في أمريكا وضغطهم على مراكز صنع القرار في الكونجرس، بالرغم من رفض أوباما لتولي السفيه السيسي للحكم، حيث كان الرئيس الأمريكي أوباما يفضل أن يتولى الحكم شخصية مدنية موالية لأمريكا بدلا من الحكم المباشر للجيش، تجنبًا لاتهامه بدعم انقلاب عسكري.

وبعد مجيء ترامب زاد الدعم الأمريكي للسفيه السيسي وبن سلمان وبن زايد نتيجة لدعمهم لصفقة القرن الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية، إلا أن تدخل أردوغان في الوقت المناسب أفشل كثيرا من المؤامرات.

Facebook Comments