كتب سيد توكل:

تحاول سلطات الانقلاب محو إضراب عمال المحلة من الذاكرة الثورية، ذلك الإضراب الذي خلخل آخر مسمار في عرش فساد عائلة المخلوع مبارك، عندما رفض العمال الصمت طويلًا على أوضاعهم المتردية، وخرجوا ثائرين في الثامن من إبريل عام 2008، للدفاع عن حقوقهم، إيمانًا منهم بأنه "لا يضيع حق وراءه مطالب"، فكانوا شرارة ثورة اندلعت في 25 يناير 2011، وبعد مرور أكثر من 9 سنوات على "سقوط الصنم وبروفة ثورة يناير الأولى"، لا يزال جنرالات العسكر تنتابهم مخاوف مرعبة من خروج مارد الغضب وانطلاق شرارة الثورة القادمة.

ومع مرور الذكرى التاسعة على أحداث 6 إبريل تبقى مدينة المحلة الكبرى واحدة من أهم معاقل رفض الفساد ومهدا للثورة ضد نظام الدكتاتور العسكري حسني مبارك، فقد مثلت احتجاجات عمال المحلة نقاط تحول مهمة في تاريخ الوطن، وتاريخا طويلا من النضال ضد استبداد جمهورية العسكر، فقد كان عمال شركة غزل المحلة هم الشرارة الأولى ضد القمع الذي كان يمارسه جنرالات نظام مبارك وأعوانه.

نظام تحت الجزم!
وبرأي خبراء ومراقبين من الممكن أن يتم وصف ما فعله أهالي المحلة الكبرى يوم 6 إبريل 2008 بالثورة الصغيرة حينما أسقط أهلها لافتة عريضة تحمل صورة "مبارك" وداسوها بالأقدام اعتراضا عليه وعلى نظامه، فما كان من السلطة إلا أن تعقبتهم ونكلت بهم وعذبتهم وحاصرتهم وتنكرت لشهدائهم.

كانت أسباب إضراب 6 إبريل عام 2008 ضد الغلاء والفساد، وهو نفس ما بات يعانيه المصريون بعد انقلاب 30 يونيو 2013 ولكن بصورة أشد سواداً، وهو القشة التي قصمت ظهر البعير حيث تحول الإضراب من دعوة إضراب عمالي لعمال شركة المحلة إلى إضراب عام في مصر، بعد تبني بعض المدونين وبعض النشطاء آنذاك الفكرة، عرفوا فيما بعد بحركة "شباب 6 إبريل" وحركة "كفاية"، وشاركت جماعة الإخوان المسلمين في الاضراب بقوة، عبر ممثليها في النقابات المهنية والعمالية المختلفة.

تشويه الحراك ضد الظلم
حاول إعلام الانقلاب –ولا يزال- تشويه الإضراب في مدينة المحلة الكبرى، وتستضيف فضائيات العسكر من يصفون أنفسهم بالمحللين الاستراتيجيين، في محاولة لطمس الحقائق والإدعاء بان الاضطرابات ضد الفساد يلحقها أحداث شغب وهجوم على أقسام ومراكز الشرطة، وتدمير وإحراق مبانى وعمليات سلب ونهب بشكل عشوائي!

وكانت مطالب الإضراب الذي كان له الفضل -بعد الله سبحانه وتعالى- ثم عزيمة الشعب المصري، تتضمن زيادة المرتبات وتحسين خدمات المواصلات العامة والمستشفيات وتوفير الدواء ومحاربة رفع الأسعار والمحسوبية ومحاربة الفساد والرشاوى، وكل هذه الأزمات والكوارث تمثل شرايين بقاء العسكر في الحكم، فلا انقلاب عسكري بدون أعمدة الفساد السبعة.

وانتشرت فكرة الإضراب بشكل سريع للغاية، عن طريق الإنترنت والمدونات في وقتها، وكان أكثر من نشر فكرة الإضراب موقع فيس بوك وعن طريق الموبايلات والرسائل والمنشورات وتعليق الشعارات في الشارع، وهذا تفسير الخوف والرعب الكبير لنظام انقلاب السفيه عبدالفتاح السيسي من قدرة مواقع السوشيال في فضح فساده والدعوة إلى الثورة ضد انقلابه.

إضرابات من الذاكرة 
كان أول إضراب للحركة العمالية منذ 1994، ونقطة تحول كبيرة، استمر لثلاثة أيام، واضطرت الحكومة للتفاوض مع العمال وتنفيذ مطالبهم، وصرف مكافأة سنوية بواقع أجر شهرين تحت بند الأرباح، وبعد هذا الإضراب أصبح التفاوض مع المضربين القاعدة في تعامل الدولة ورجال الأعمال مع الإضرابات.

ثم أضرب موظفو الضرائب العقارية في سبتمبر 2007، وشكلوا لجنة لقيادة الإضراب منتخبة من المحافظات المختلفة، ونجح إضرابهم في نهاية ديسمبر 2007، واجتمع العمال ليقرروا مصير لجنة قيادة الإضراب، وكان القرار هو تحويلها لنقابة مستقلة والانسحاب بشكل جماعي من النقابة الرسمية الموالية للدولة، وبهذا انطلقت حركة النقابات المستقلة في مصر والتي اتسعت اليوم لتشمل أكثر من مائتي نقابة، بعد تصديق الحكومة عليها.

وفي نوفمبر 2012 نظم سائقو مترو الأنفاق بالقاهرة إضرابًا شاملًا عن العمل، للمطالبة بإقالة رئيس جهاز المترو، وصرف بدلات إضافية، واستمر الإضراب يومًا كاملًا، صاحبها شلل مروري في العاصمة، ورضخت الحكومة لرغبة سائقي المترو، وأقالت رئيس جهاز هيئة المترو حينها المهندس علي حسين.

كما أضرب سائقي السكك الحديدية إبريل 2013، استمر لعدة أيام، وتوقفت خلالها حركة القطارات تمامًا، مطالبين بصرف بدل إضافي وزيادة الحوافز، ولم تستجب حكومة الانقلاب إلى السائقين، ما دفع الجيش بتوفير سائقين.

وفي ظل حكومة الانقلاب بقيادة مجرم مجزرة فض رابعة الدكتور "حازم الببلاوي" تم إضراب عمال شركة الحديد والصلب بحلوان، إضافة إلى إضراب شركات الغزل والنسيج وعلى رأسهم شركة غزل المحلة التي تضم ما يقرب من 20 ألف عامل وعاملة والذي استمر إلى مايقرب من 12 يومًا على التوالي، وأخيرًا إضراب العاملين بهيئة النقل العام بـ26 جراجًا من جراجات الهيئة، وكل هذه الإضرابات واجهت حكومة القاتل، إلا أنه لم يستطع الوقوف ولا إيجاد حل أمام هذه العاصفة من الإضرابات، ما كان سببًا في تقديم استقالته.

كما أضرب عمال شركة أسمنت طرة في 2015، داخل مقر المصنع احتجاجًا على قرار الإدارة بخفض أرباحهم من 25 شهرًا إلى ثمانية أشهر فقط، بدعوى أن الشركة تكبدت خسائر قدرها 14 مليون جنيه، وعد رئيس حكومة الانقلاب وقتها المهندس إبراهيم محلب، العمال بحل مشكلتهم، وطالب حكومته، بأن يكون هذا العيد، عيدًا للعطاء، ولكنه خدعهم وسلب منهم عرقهم وأرزاقهم.

Facebook Comments