كشف بحث مطول أن اكتشاف حقل ظُهر في عام 2015 لم يكن الإشارة الأولى لاحتياطات الغاز الطبيعي الضخمة الموجودة في مياه شرق البحر المتوسط، حيث سبق الاكتشاف المصري بعدة سنوات سلسلة اكتشافات كان أبرزها حقلي تمار (عام 2009) وليفياثان (عام 2010) في المياه الإقليمية للأراضي الفلسطينية المحتلة التي تسيطر عليها إسرائيل، وحقل أفروديت (عام 2012) القبرصي، لتبرز مرة أخرى صراعات النفوذ على مصادر الطاقة إلى المشهد من جديد.

وقال البحث الذي قام به المعهد المصري للدراسات، بهدف عمل تقييم شامل لصفقة الغاز الإسرائيلي مع مصر وتناول الأبعاد السياسية والاستراتيجية والاقتصادية للصفقة مع وضعها في إطار التفاعلات الإقليمية والدولية في منطقة شرق المتوسط، إن العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهد طفرة هائلة في إنتاج الغاز الطبيعي في مصر وسمحت تلك الطفرة بانتقال مصر من الاستهلاك المحلي إلى تصدير الغاز للخارج، وكانت أبرز صفقات التصدير تلك التي أبرمت مع إسرائيل عام 2005 وأحدثت جدلاً واسعا داخل مصر، في نفس الوقت سعت مصر لبناء محطتين لتسييل الغاز الطبيعي على ساحل البحر المتوسط للاستفادة من فائض إنتاج الغاز عبر تسييله وتصديره للخارج، إلا أن تلك الطفرة لم تستمر طويلاً فبعد الوصول إلى ذروة معدلات إنتاج الغاز عام 2009، بدأ الانخفاض التدريجي في الإنتاج مما جعل معدلات الاستهلاك المحلي للغاز تتخطى معدلات الإنتاج، لتتوقف مصر عام 2014 عن تصدير الغاز المسال للأسواق الخارجية وتتجه إلى الاستيراد لسد احتياجات السوق المحلية.

حقل ظهر

وأضاف البحث أنه بالرغم من احتياطات الغاز الضخمة التي تم اكتشافها في حقل ظهر داخل منطقة امتياز “شروق”، إلا أن عمليات الاستكشاف في المنطقة نفسها لم تكن هي الأولى، وسبقها بعدة سنوات عمليات استكشاف وحفر آبار لم تسفر عن اكتشافات ذات جدوى اقتصادية، حيث حصلت شركة شل (إحدى شركات استكشاف وإنتاج النفط والغاز العالمية) عام 1999 على منطقة امتياز “نيميد”2 (NEMED) وهي منطقة تشمل امتياز “شروق” الحالي ومناطق أخرى مجاورة وتقع في المياه العميقة من جنوب شرق البحر المتوسط .

وكانت شركة “شل” قد قضت حوالي 10 سنوات في محاولة لإثبات وجود غاز طبيعي يمكن استغلاله اقتصادياً، وأنفقت خلالها حوالي مليار دولار وحفرت 9 آبار 3 لم تسفر عن نتائج ذات جدوى اقتصادية، حيث بلغ حجم احتياطي الغاز المكتشف حوالي تريليون قدم مكعب فقط وهو ما قدرته “شل” بأن تكلفة استخراج الغاز المستكشف مقارنة بأسعار بيعه لن تكون مجدية اقتصادياً بالنسبة لها، دفعت تلك النتائج المخيبة للآمال وتزامناً مع حالة عدم الاستقرار التي اعقبت ثورة يناير شركة شل للتنازل عن امتياز “نيميد” في مارس 2011، بعد تنازل شركة شل قامت الحكومة المصرية في يناير 2012 عن طريق الشركة القابضة للغاز “إيجاس” بتقسيم منطقة امتيار “نيميد” إلى عدة مناطق، ثم قامت بطرح مزايدة للتنقيب عن تلك المناطق المقسمة وعدة مناطق أخرى بالمياه العميقة بالبحر المتوسط، بإجمالي 15 منطقة.

شركة إيني

وأعلنت حكومة الرئيس محمد مرسي في ابريل 2013 نتائج مزايدة التنقيب، حيث تم قبول العرض المقدم من شركة إيني الإيطالية للحصول على حق إمتياز قطاع رقم 9 “شروق البحري” والذي يمثل جزء من منطقة امتياز “نيميد” التي تنازلت عنها شل كما ذكرنا سابقاً.

توصلت إيني في ابريل 2015 إلى نتائج شبه مؤكدة بوجود احتياطات غاز ضخمة في حقل ظهر وهو ما دفعها لإرسال الحفار العملاق “سايبم 10000” إلى منطقة شروق والبدء في اعمال الحفر في 3 يوليو 2015، لتعلن بعدها الحكومة المصرية وشركة ايني الايطالية في اغسطس 2015 عن اكتشاف “حقل ظهر” في منطقة امتياز شروق.

ويعد حقل ظهر أكبر حقل غاز طبيعي في مياه البحر المتوسط، متخطياً حقول تمار وليفياثان الإسرائيلية وحقل افروديت القبرصي، حيث تصل احتياطيات الغاز الطبيعي في حقل ظهر إلى 30 تريليون قدم مكعب أو ما يعادل 850 بليون متر مكعب ، إلا أنه في 5 يوليو 2015، وبعد يومين فقط من بدء أعمال الحفر في حقل ظهر، كانت حكومة الانقلاب قد ضاعفت اسعار شرائها للغاز من شركة إيني، ليرتفع سعر المليون وحدة حرارية من الغاز 2.65 دولار إلى 5.88 دولار.

ما فتح الباب أمام شبهات بعملية فساد لاسيما وأن حالات مشابهة قد تكررت في الماضي، كان أبرزها تسعير الغاز المصدر إلى إسرائيل بأسعار منخفضة جدا، وربما جاءت مضاعفة الاسعار في سياق التحفيزات التي حاولت الحكومة المصرية تقديمها لشركة إيني في سبيل دفعها للإسراع في عمليات الحفر والتطوير بحقل ظهر، ويبدو أن تلك الاستراتيجية التي اتبعتها الحكومة المصرية لم تختص بها شركة ايني الايطالية فقط، حيث اتبعت الحكومة نفس الاستراتيجية مع الشركات الأجنبية الأخرى عن طريق زيادة المدفوعات للشركات مقابل الغاز الطبيعي بهدف دفعها للتوسع في استثماراتها داخل مصر، ويبدو أن استراتيجية الحكومة المصرية قد تغافلت في سعيها لجذب الاستثمارات الأجنبية عن حقيقة أن من سيسدد تلك الزيادة في اسعار الغاز الطبيعي هو المستهلك المحلي.

الاكتفاء الذاتي

بعد اكتشاف حقل ظهر، وهو صاحب احتياطات الغاز الأضخم في مياه البحر المتوسط، برز سؤال رئيس يتعلق بقدرة مصر على تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي وسد احتياجات الاستهلاك المحلي، والاتجاه إلى التصدير على المدى القريب؟

وقال المعهد المصري، أنه في عام 2009 بلغت ذروة إنتاج مصر من الغاز الطبيعي حوالي 6.1 مليار قدم مكعب يومياً، وهو ما سمح لها بالاتجاه إلى تصدير الفائض عن الاستهلاك المحلي، بينما انخفض الإنتاج بنسبة 27٪ إلى 4.4 مليار قدم مكعب يومياً بين عامي 2009 و2015، وأدى هذا الانخفاض إلى تحول مصر من إحدى الدول المصدرة للغاز الطبيعي إلى دولة مستوردة لسد احتياجات الاستهلاك المحلي، حيث أوقفت مصر صادراتها من الغاز الطبيعي المسال في عام 2014 وسعت إلى استيراد الغاز الطبيعي، ووصلت الكميات التي تستوردها مصر إلى حوالي 1.1 مليار قدم مكعب يومياً من الغاز الطبيعي في بداية عام 2016، وانتقلت مصر خلال سنوات قليلة من خانة تصدير الغاز إلى خانة استيراد الغاز.

محطات إسالة الغاز

وبالرغم من الزفةا لتي قامت بها سلطات الانقلاب لافتتاح حقل ظهر، وبعد عدة شهور من تصريح الرئيس التنفيذي لشركة إيني، وفي سبتمبر 2018 بلغ إنتاج حقل ظهر20 من الغاز الطبيعي حوالي 2 مليار قدم مكعب يومياً ووصل إجمالي إنتاج مصر من الغاز إلى 6.6 مليار قدم مكعب يومياً، وهو ما دفع وزير البترول الانقلابى للإعلان في نفس الشهر عن توقف مصر عن استيراد الغاز الطبيعي المسال، ومن المتوقع أن يصل حقل ظهر إلى أعلى إنتاجية له عام 2019 حيث سيصل إنتاجه إلى 2.7 مليار قدم مكعب يومياً ومن ثم متوقع أن يصل إجمالي إنتاج مصر من الغاز في 2019 إلى 7.3 مليار قدم مكعب يومياً، مع الأخذ في الاعتبار أن استهلاك مصر من الغاز الطبيعي في نهاية 2018 يقدر بحوالي 6.3 مليارات قدم مكعب يومياً، وهو ما يعني أنه في العام 2019 ستكون مصر قد اتجهت بشكل مباشر ليس فقط إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغاز الطبيعي وسد احتياجات السوق المحلي، ولكن إلى العودة مرة أخرى لساحة الدول المصدرة للغاز الطبيعي ولو بكميات محدودة.

إلا أن الاتفاقية التي وقعتها مصر في أغسطس 2018، لاستئناف تصدير الغاز إلى الأردن في بدايات عام 2019 وتعد الاتفاقية الأولى لتصدير الغاز المصري بعد فترة توقف منذ عام 2014 تعني أيضاً بالتبعية العودة إلى تشغيل محطات إسالة الغاز المصرية، حيث تمتلك مصر بنية تحتية لإسالة الغاز الطبيعي تمنحها ميزة تنافسية عن باقي دول شرق المتوسط، إلا أن تلك البنية التحتية المتمثلة في محطتين لإسالة الغاز الطبيعي بمدينتي دمياط وإدكو على ساحل البحر المتوسط، كانتا قد أصابهما الركود في السنوات القليلة الماضية بعد انخفاض الإنتاج المحلي والتوقف عن التصدير إلى الخارج، وفي ظل تحقيق الاكتفاء الذاتي والعودة مرة أخرى إلى تصدير الغاز المصري إلى الخارج، سيكون من المتوقع بنهاية عام 2019 ان تعمل محطتي الاسالة بكامل طاقتهما الاستيعابية.

أهم الاستنتاجات التي خرجت بها الدراسة

أولاً: بالرغم من احتياطات الغاز الضخمة لحقل ظهر لكن يبدو أنها ستوجه إلى الاستهلاك المحلي فقط لتحقيق الاكتفاء الذاتي، حيث صممت البنية التحتية لحقل ظهر لتغذية شبكة الغاز المحلية فقط، ومن المثير للانتباه أن حجماً ليس بالقليل من الغاز المنتج من حقل ظهر قد ضاعفت الحكومة المصرية اسعار شرائه لصالح شركة إيني الإيطالية، وهو ما يجعل سعر الغاز المنتج من حقل ظهر المصري والموجه للاستهلاك المحلي يقترب من اسعار الغاز المستورد من الأسواق العالمية.

ثانيا: الاكتفاء الذاتي المتحقق من اكتشاف حقل ظهر وعدد من الاكتشافات الأخرى لن يستمر طويلاً ما لم يكن هناك اكتشافات جديدة وضخمة للغاز الطبيعي، حيث أن العديد من الدراسات المعنية بشؤون الطاقة تشير إلى توقعات بانتهاء الاكتفاء الذاتي وحاجة السوق المحلية المصرية إلى استيراد الغاز الطبيعي مع بدايات العقد القادم، حيث تنحصر التوقعات بانتهاء الاكتفاء الذاتي وارتفاع معدلات الطلب مقارنة بمعدلات الإنتاج ما بين عام 2021 إلى عام 2025.

Facebook Comments