لا يُفرّط الصهاينة في الأراضي التي يحتلونها إلا مُرغمين بقوة السلاح، أو أن تفريطهم فيها يكون عادة بمقابل يكسبون من ورائه أكثر مما خسروه، فقريتا “الباقورة” و”الغمر” اللتان استعادتهما الأردن بعدما رفض العاهل الأردني قبل عام- بعد مظاهرات وفعاليات شعبية رافضة التجديد- استكمال إيجار الكيان الصهيوني للقريتين، وذلك وفق اتفاقية “وادي عربة” التي مر عليها نحو 25 عاما، وهي مدة الاستئجار لـ”السلام” الذي وقعه الملك حسين مع الصهاينة.

الأردن بالفعل استعاد أراضيه المؤجرة لدولة الاحتلال الإسرائيلي بعد إنهائه للملحق التابع لاتفاقية السلام، والذي يتعلق بهذه الأراضي، فالباقورة هي بلدة أردنية حدوديّة تقع شرق نهر الأردن ضمن لواء الأغوار الشمالية التابع لمحافظة “أربد”، تبلغ مساحتها الإجماليّة حوالي 6000 دونم.

أما الغَمْر فهي منطقة حدوديّة أردنية تقع ضمن محافظة العقبة جنوب البحر الميت، تمتد منطقة الغمر على مساحة 4 كيلومترات مربعة وعلى طول خمسة كيلومترات باتجاه الحدود.

الخبير الفلسطيني د.صالح النعامي قال: إن الرقابة العسكرية الإسرائيلية تحظر نشر أي خبر عن طابع التعاون الأمني مع الأردن، وذلك بحسب تأكيد “يوسي يهشوع”، المراسل العسكري ليديعوت أحرنوت.

ورأى أن ذلك دلالة على الدور الهائل الذي يلعبه هذا التعاون في خدمة المصالح الاستراتيجية لإسرائيل، ولكنه اكتشف أن ثغرة ستكشف يوما طبيعة المقابل، فقال “الرقابة تتساهل أحيانا في الكشف عن مظاهر تعاون مع نظم حكم أخرى”.

الأخطر في هذا النصر الأردني باستعادة أرضه هو الوجه الآخر الذي كشف عنه د.صالح النعامي، في أبريل الماضي، عندما أشار إلى أن التنازل مرتبط بصفقة القرن، وقال: “التسريبات الأخيرة حول صفقة القرن تدلل على أن ترامب حطم كل السوابق في تحقير حلفائه العرب والاستخفاف بهم.. يريد أن يتنازل الأردن عن الباقورة والغمر لإسرائيل ويحصل مقابل ذلك على أرض سعودية.. أما المقابل الذي تحصل عليه السعودية هو تيران وصنافير (مقابل بأثر رجعي) والضفة لإسرائيل”.

لا شيء بلا مقابل

وأضاف نضال شنيجات: “ما خلونا نفرح.. 25 سنة واحنا نستنى مسئول يفيدنا ليش أعطوا إسرائيل حق الانتفاع بأراضي الباقورة والغمر وشو المقابل!!.. وبالآخر صرح مسئول بالخارجية بالسماح بحصاد ما كان قد زرع قبل انتهاء العمل بالملحقين.. ليش زرعوها أصلا مع أنهم مبلغين من سنة بتاريخ انتهاء العمل بالملحقين”.

وتساءلت “آثينا” عن مجموعة من الإجراءات فقالت: “قبل يومين طلعوا الأسرى من عند اليهود.. واليوم رجعوا الباقورة والغمر.. طيب شو المقابل.. اليهود رح يعطوكم كل هاد لسواد عيونكم.. ولا فيه تنازلات على حساب موقفك من الشعب الفلسطيني؟”.

حسرة صهيونية

وتناقلت الصحف العبرية ووكالات الأنباء الدولية حسرة المزارعين الصهاينة على مغادرة القريتين الأردنيتين، وفي تقرير لـ”رويترز”، قالت إن إنهاء العمل بهذا الاتفاق ضربة قوية للمزارعين الإسرائيليين في هاتين المنطقتين.

ونسبت الوكالة لـ”إسرائيليين” أن هناك ما يثبت حقوق ملكية خاصة في المنطقة ترجع إلى عشرينات القرن العشرين، حينما كانت المنطقة جزءا من فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

ونسبت لوزير الزراعة الصهيوني “أوري أرييل”، قوله إن انتهاء العمل بالاتفاق الخاص بالأرض جاء في وقت بلغت فيه العلاقات الإسرائيلية الأردنية نقطة متدنية.

وأضاف: “لسنا في شهر عسل، بل في فترة من الشجار المستمر”، بحسب ما نقلته “رويترز”.

وقالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، الأحد، إن عمان منحت مزارعين من زملاء “أرازي” في قطعة الأرض الثانية (الغمر) الواقعة إلى الجنوب إمكانية الدخول إلى الأرض والخروج منها 6 أشهر أخرى.

اتفاق 94

كان الاتفاق بين الصهاينة والأردنيين حول استئجار أرض الباقورة كجزء من معاهدة السلام المبرمة عام 1994، وبموجبها تم الاعتراف بأن قطعتين من الأرض على الحدود تخضعان للسيادة الأردنية.

لكنّ اتفاقا خاصا سمح للمزارعين الإسرائيليين بزراعة الأرض، وللزائرين بالتجول في حديقة جزيرة السلام في المنطقة.

وأشارت تقارير إلى أنه في ظل تدني العلاقات بين البلدين، أعلن الأردن في 2018 أنه لا يريد مواصلة العمل بهذا الترتيب، وذلك فيما اعتبر على نطاق واسع علامة على توتر متزايد في العلاقات الدبلوماسية.

وأعلن العاهل الأردني الملك “عبدالله الثاني” رسميا، الأحد، عن انتهاء العمل بهذا الاتفاق الذي يعتبره كثير من الأردنيين مهينًا وسببًا في استمرار “الاحتلال” الإسرائيلي لأرض أردنية.

وقال الملك في كلمة له في افتتاح دورة جديدة لمجلس الأمة، وسط ترحيب من أعضاء البرلمان والمسئولين: “أعلن اليوم انتهاء العمل بالملحقين الخاصين بمنطقتي الغمر والباقورة في اتفاقية السلام، وفرض سيادتنا الكاملة على كل شبر منهما”.

Facebook Comments