حركة المحافظين الأخيرة التي أقرتها سلطات الانقلاب ، جعلت هناك ١٧ محافظا من اللواءات ومعظم المحافظين العشرة المدنيين لهم نواب لواءات، وبحسبة بسيطة فإن نسبة عدد اللواءات لعدد كل المهنيين يكشف عنصرية العسكر ومخالفتهم حتى لدستور النوايا الحسنة المسلوق في 2014، وإلى الآن خرست الألسنة والأبواق والفضائيات التي لم تكف عن التشنيع بحكم الرئيس المنتخب محمد مرسي، واتهام حكومته بأكذوبة أخونة الدولة، في حين قبض البعض ثمن الشائعات على جماعة الإخوان، والبعض ابتلع لسانه واختار السير بجوار الحيط أمام طوفان عسكرة الدولة.

يدرك السفيه السيسي تماما عواقب ما فعله خلال السنوات الماضية بمنظومة الاقتصاد المصري، ويدرك كذلك أثر إجراءاته على ملايين المصريين، لكنه يعلم تماما أن الدعم المالي لجنرالاته عامل مهم من عوامل استمراره في الحكم ولو كلفه رضاء الناس، زاد السفيه من إقصاء المدنيين وحصر المناصب المدنية على لواءات الجيش، كما زاد المجالات الاقتصادية المحتكرة من قبل الجيش فدخل به مجال صناعة الأدوية والاتجار في المستلزمات الطبية وجعله “كفيلا” لمجال العقارات يبني المشروعات بنفسه أو يكفل شركات العقارات المدنية ليتربح من السمسرة.

يقول الناشط السياسي إيهاب الخياط:” هو لما حركة المحافظين الجدد يكون فيها 19 لواء من إجمالى 25 محافظ دي تبق تقريبا اسمها عسكرة الدولة ؟ ولا ممكن يبق ليها اسم تانى؟”، ويرد عليه الناشط يسري اليمني ساخراً:” محدش من بتوع أخونة الدولة قال عسكرة الدولة فين حسب النصابين حزب الزور مخلول والزرقا والحمرا يا ولاد الكلب خرس الله ألسنتكم”.

 

تفرق الرفاق!

وبعد أكثر من خمسة أعوام من الانقلاب على محمد مرسي أول رئيس مدني منتخب، واستيلاء السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي على ولاية رئاسية ثانية بالدم والقمع، تفرق رفاقه في الانقلاب بين راحل عن الحياة، وصاعد في المناصب أو مغادر منصبه، ومهاجر خارج البلاد، معارضا لسياسيات العسكر.

وجاء الانقلاب على الرئيس مرسي في الثالث من يوليو 2013 في ظل مظاهرات دبرتها المخابرات الحربية مستعينة بالمعارضة التي تكتلت في ما يسمى بـ”جبهة الإنقاذ”، وبرفقة 14 شخصية، منهم قيادات دينية وعسكرية وسياسية؛ وقف السفيه السيسي، يتلو بيان الانقلاب على ثورة 25 يناير.

وتفرقت السبل برفاق مشهد الانقلاب، أغلبهم تحول من التأييد لمشهد السفيه السيسي ذلك اليوم، إلى المعارضة، ومنهم من قضى جزءا من حياته في السجن، أو عاد، عبر المنافي ومنصات التواصل، إلى مصافحة جماعة الإخوان المسلمين، الذين عاداهم من قبل، وبقيت جماعة الإخوان المسلمين والقوى المناهضة لذلك المشهد بين المنافي والسجون، واكتسبوا تأييد شريحة ممن اختلفوا مع السفيه السيسي.

وشنت سلطات الانقلاب الأسبوع الماضي، حملة اعتقالات طالت معارضين وأكاديميين ونشطاء كانوا مؤيدين للسفيه السيسي، على رأسهم مساعد وزير الخارجية الأسبق، معصوم مرزوق، الذي دعا قبل أسابيع إلى إجراء استفتاء على استمرار الانقلاب بقيادة السفيه السيسي، والأكاديمي يحيى القزاز، والخبير الاقتصادي رائد سلامة، والناشط سامح سعودي، والناشطة نرمين حسين، والناشط عمرو محمد، والناشط عبد الفتاح سعيد.

الكلمة للبيادة!

واعتبر متخصصون في علم الاجتماع السياسي أن الارتباك هو حليف مشهد الانقلاب في مصر بعد مرور ذكراه الخامسة، ويبقى السفيه السيسي هو الرابح الأكبر وإن انفض عنه مؤيدون، غير أنه لم تنتج المعارضة منافسة قوية تغير المشهد، وتذهب آراء شريحة ليست قليلة من مؤيدي الانقلاب، إلى أن العسكر نجحوا حتى الآن في إزاحة الإخوان، التنظيم الأكبر شعبية في مصر، وسط موجة من الاتهامات المفبركة عبر منصات القضاء الشامخ بارتكاب أعمال عنف ومحاولة تغيير هوية البلاد.

والدولة العسكرية تعني سيطرة الجيش على مقاليد الحكم في الدولة، بحيث تكون الكلمة الأولى والأخيرة للرجل العسكري أو لمجموعة الرجال العسكريين الذين يقفون على رأس هذه المؤسسة العسكرية، وفي الدولة العسكرية لا مكان لتداول السلطة واختيار الشعب الحرّ لقيادته السياسية من خلال آليات الانتخاب، ولا يقرّر الشعب مصيره بإرادته، بل تُصادر هذه الإرادة ويتم توجيه القرار السياسي بناءً على إرادة قادة العسكر الممسكين بزمام السلطة، فتكون السلطة لمن يملك القوة، وهم عادةً جنرالات العسكر الذين يملكون السلاح، والذي يملك هذه القوة “الماديّة” هو الذي يحدّد طبيعة القرار السياسي، بل الاقتصادي والاجتماعي كذلك.

وقد يكون الحكم العسكري متخفّيا في لباس الحكم المدني، وهذا شكل من أشكال الدولة العسكرية المقنعة؛ حيث تمارس فيها الآليات الديمقراطية كتداول السلطة والانتخابات ولكن في إطار مقيّد، يسمح للجيش بالتدخل إذا وجد أنّ الديمقراطية تأتي بنتائج لا تتفق مع علمانية الدولة كما هو الحال في تركيا سابقا، وفي مصر حاليا.

Facebook Comments