في سياق تبريره للاتهامات التي تلاحقه بالفساد في صفقة الغواصات الألمانية لنظام السيسي سنة 2014م، يؤكد بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، أن تأثره بثورة 25 يناير كان العامل الرئيسي الذي أثّر على قرارته خلال تلك الفترة.

وفي مقابلة أجرتها معه قناة التلفزة الإسرائيلية “12”، أول الأسبوع الجاري، أوضح نتنياهو أنه سمح للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بتزويد مصر بالغواصات تحت حكم حسني مبارك، وبعد صعود عبد الفتاح السيسي، لكنه رفض ذلك عندما أسفرت أول انتخابات رئاسية بعد الثورة عن فوز محمد مرسي، الذي نعته بـ”الإسلامي”.

وقد وصف نتنياهو في المقابلة الاتهامات الموجهة إليه بأنها “استباحة دم”، وأنه قادر على اتخاذ قرار شراء الغواصات دون الرجوع إلى وزير الدفاع أو رئيس الأركان؛ لأن هناك أسرارًا استخباراتية يعرفها رئيس الوزراء ولا يعرفها الآخرون.

وقال وزير الدفاع السابق موشيه يعالون، والمرشح حاليا عن قائمة “أزرق أبيض”: إن أفعال رئيس الوزراء في ملف شراء الغواصات يمكن أن ترقى إلى “الخيانة”، الأمر الذي أثار امتعاض أعضاء الليكود.

وأضاف أنه عندما كان وزيرًا للدفاع، سأل نتنياهو عما إذا كان قد أعطى الضوء الأخضر للألمان لبيع مصر أي غواصات، فكانت إجابته بالنفي، لكنه اعترف مذعورا بذلك لأول مرة في مقابلته التلفزيونية في الرابع والعشرين من مارس/آذار الحالي، وهذا يعني- بحسب يعالون- أنه يجب إعادة التحقيق في قضية الغواصات.

وبالمثل، قال رئيس الأركان السابق إيهود باراك وزعيم حزب العمل سابقًا، في مقابلة مع إذاعة الجيش: “هذه الفضيحة هي الأكثر فسادًا في تاريخ إسرائيل، ونتنياهو وضع مصلحته فوق مصلحة الدفاع عن البلاد”.

أسرار دولة!

وقالت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، نقلا عن مسئولين إسرائيليين شاركوا في التحقيق في قضية الغواصات (الملف 3000): “إن ما قام به نتنياهو مثّل تضاربًا واضحًا في المصالح في ذلك الوقت”. واتهم قادة تحالف “أزرق أبيض” غانتس، ويائير لابيد، وموشيه يعلون، وغابي أشكنازي، نتنياهو بتلقي مبلغ 16 مليون شيكل (4.5 مليون دولار) لجيبه الخاص.

وبحسب الخبير في الشأن الإسرائيلي الدكتور صالح النعامي، فإنه رغم تبرير نتنياهو رفضه لإتمام هذه الصفقة في عهد الرئيس مرسي لتوجهه الإسلامي، لكنه لم يفصح عن الأسباب التي دفعته للموافقة على مد نظام السيسي بتلك الغواصات، وتهرب من الإجابة عن هذه الأسباب التي اعتبرها تدخلًا في نطاق “أسرار الدولة”!.

لكن النعامي، في سياق تفسيره لتهرب نتنياهو من الإفصاح عن حقيقة هذه الأسباب، يعزو أسباب ذلك إلى مخاوف إسرائيل من استمرار الحالة الثورية في مصر؛ مؤكدا أن تل أبيب لم تنكر تخوفها من تداعيات تعاظم مظاهر النزعة العسكرية لمصر بعد ثورة 25 يناير، بغض النظر عن الخلفية الحزبية والأيديولوجية لرئيس مصر.

ويضيف النعامي أنه عند استحضار الجدل الإسرائيلي الداخلي، الغني والواسع، الذي تفجر بعد ثورة 25 يناير، يتبين أن كل نخب الحكم ومحافل التقدير الاستراتيجي ومراكز التفكير ووسائل الإعلام في تل أبيب، قد انطلقت من افتراض مفاده أنه بمعزل عن الهوية الفكرية لنخب الحكم التي ستدير شئون مصر، فإن هذه النخب ستتبنى موقفًا معاديًا من إسرائيل، قد يفضي إلى اندلاع مواجهة بين الجانبين، بسبب اضطرارها لمراعاة توجهات الرأي العام المصري.

ويدلل الخبير في الشأن العبري ما ذهب إليه، بأنه لم يكن على سبيل الصدفة أن اعتبر الكثير من الباحثين والكتاب في تل أبيب أن البيان الذي أصدرته لجنة الشئون العربية، بتاريخ 12 مارس 2012، في أول مجلس نيابي يتم انتخابه في مصر بعد الثورة، والذي اعتبر “الكيان الصهيوني أكبر مصدر تهديد على الأمن القومي المصري”، يعد دليلًا على وجوب الاستعداد لمواجهة مصر عسكريًا.

ويضيف أن مما يدلل في نظر النخبة الإسرائيلية، على أن الفروق الأيديولوجية بين قوى ثورة 25 يناير، لم تكن تؤثر على موقف مصر من العلاقة مع إسرائيل، حقيقة أن الذين بادروا لصياغة بيان لجنة الشئون العربية كانوا نوابًا ينتمون لتيارات ليبرالية ويسارية وناصرية وإسلامية.

وينتهي النعامي إلى أن الكثير من نخب الحكم في إسرائيل تخوفت من نجاح مصر بعد الثورة في تعزيز قوتها العسكرية؛ لأنها انطلقت من افتراض مفاده أن مراعاة توجهات وتطلعات الرأي العام المصري، ستدفع القيادة المصرية المنتخبة ديمقراطيًا إلى تعطيل العمل باتفاقية “كامب ديفيد”، ما يزيد من فرص تفجر مواجهة بين الجانبين. في إشارة إلى مخاوف الصهاينة من استقلال القرار السياسي المصري إذا استمرت ثورة يناير في الحكم، ولعل ذلك يفسر أسباب الانقلاب على الرئيس محمد مرسي ومسار الثورة عمومًا.

النعامي يشير كذلك إلى أن هذه التخوفات الإسرائيلية، إبان ثورة يناير، دفعت “إسرائيل” إلى أن تقرر سنة 2012، إعادة بناء قيادة المنطقة الجنوبية في جيشها، على اعتبار أنها ستكون القيادة التي قد تتحمل عبء الجهد العسكري الأكبر، في حال واصلت قوى ثورة 25 يناير إدارة شئون الحكم في القاهرة.

التحالف مع الصهاينة

ويعزو الخبير في الشأن الإسرائيلي أسباب عدم معارضة نتنياهو لتزويد مصر بالغواصات الألمانية، في عهدي مبارك والسيسي، إلى الشراكة الاستراتيجية التي تربط هذين النظامين بشكل وثيق مع إسرائيل. مستشهدا بتصريحات سابقة لوزير الحرب الإسرائيلي الأسبق بنيامين بن أليعازر، التي وصف فيها مبارك بأنه “كنزٌ استراتيجي” لإسرائيل، في حين وصف عاموس جلعاد، الرئيس السابق للدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الإسرائيلية، والذي كان مكلفا بإدارة ملف العلاقة مع القاهرة، الانقلاب الذي قاده السيسي بأنه “أهم معجزة استراتيجية” لإسرائيل.

ويرى النعامي أنه في الوقت الذي تراجع فيه التنسيق الأمني بين إسرائيل ومصر إلى حد كبير بعد ثورة 25 يناير، فإن الشراكات الاستراتيجية بين تل أبيب ونظام السيسي وصلت إلى حدود غير مسبوقة. وقد وصل الأمر إلى حد سماح نظام السيسي لسلاح الجو الإسرائيلي بشنّ غارات جوية في عمق الأراضي المصرية، وتحديدا في سيناء، بحجة ضرب تنظيم “ولاية سيناء” الإرهابي، في حين تبين أن جل هذه الغارات يستهدف إرساليات السلاح الذي يتم تهريبه إلى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.

إلى جانب ذلك، فقد أسهم نظام السيسي في تحسين قدرة إسرائيل على مواجهة المقاومة الفلسطينية، سواء من خلال توفير بيئة تسمح باستنفاد القوة العسكرية في مواجهة هذه المقاومة، كما حدث خلال حرب 2014، وعبر محاولات احتواء المقاومة، ودفعها للتوصل إلى تهدئة تضمن عدم استهداف العمق الإسرائيلي، كما يحدث حاليًا.

Facebook Comments