تعيش محافظة درعا السورية محرقة روسية بكل معنى الكلمة، إذ تتعرض، منذ رفض الوفد المعارض نيابة عن الفصائل المعارضة شروط موسكو الاستسلامية، مساء الأربعاء، إلى قصف بمعدل غارتين كل ثانية، بوتيرة جنونية غير مسبوقة بمشاركة قوات النظام السوري. المحرقة الروسية تأتي تنفيذاً حرفياً لتهديدات روسيا خلال مفاوضات بلدة بصرى الشام في الريف الشرقي للمحافظة، بـ”استخدام أربعين طائرة من حميميم لقصف الجنوب” في حال رفضت الفصائل تسليم رقابها وسلاحها للنظام السوري، وهو ما تحوّل إلى واقع خلال الساعات الأخيرة عبر اعتماد سياسة الأرض المحروقة في تلك المنطقة، وسط حالة صمت مستمرة تصيب العالم والدول المعنية بالملف السوري. أما النتيجة، فظهرت عصر أمس على شكل تسريبات حول عودة وشيكة لمفاوضات فرض الوصاية الروسية على درعا بحسب ما سربته مصادر “غرفة عمليات الجنوب” التي تفاوض باسم الفصائل المسلحة، مع تجاوز عدد المهجرين نصف المليون سوري يتنقلون ما بين مدن الموت في درعا، وسط استمرار رفض الأردن فتح حدوده أمامهم، وفي ظل شمول المجزرة الروسية كل أرجاء المحافظة الجنوبية. وظهر التواطؤ الأردني مع الموقف الروسي واضحاً للغاية، من خلال استخدام المقاتلات الروسية الأجواء الأردنية خلال قصف درعا بـ2300 غارة في غضون 22 ساعة فقط، فضلاً عن تصريحات المسؤولين الأردنيين حول وجود مندسين و”دواعش” بين المهجرين على الحدود لتبرير تركهم عرضة للموت.

عمليات القصف منذ عصر الأربعاء وحتى ساعات ما بعد ظهر أمس، والتي تُعتبر الأعنف منذ بدء قوات النظام حملتها الحالية في الجنوب السوري منذ 19 يونيو/حزيران الماضي، حصدت أرواح عشرات القتلى والجرحى، فيما دمرت الجزء الأعظم من بعض البلدات المستهدفة. وتركز القصف على منطقة محدودة جغرافياً تمتد من بعض قرى بلدات الريف الجنوبي الشرقي وتحديداً صيدا، إلى مركز المدينة، وتحديداً درعا البلد والقاعدة الجوية في محيطها التي تحاول قوات النظام السيطرة عليها بغية قطع التواصل بين ريفي درعا الشرقي والغربي وإلغاء التواصل بين مدينة درعا والحدود الأردنية، وصولاً إلى السيطرة على معبر نصيب الحدودي.
وسجل أمس استخدام الطيران الروسي والسوري، القنابل الارتجاجية التي سبق أن استخدمها في حلب نهاية 2016 خلال إبادتها. والقنبلة الارتجاجية تزن أكثر من طنّين، وتصنعها كل من روسيا وأميركا، وتستخدم خصوصاً لقصف الملاجئ والأنفاق شديدة التحصين للتسبب بأعلى مستوى ممكن من القتل، ويحدث انفجارها مفعولاً هو أقرب إلى الهزات الأرضية.

وجاء هذا التصعيد تنفيذاً لتهديد أطلقه الوفد الروسي المفاوض خلال جولة الأربعاء بالسيطرة على درعا ومعبر نصيب عبر استخدام 40 طائرة، وهو ما يُعتبر بنظر مراقبين ليس رداً عقابياً على موقف الفصائل التي رفضت تسليم السلاح الثقيل بلا ضمانات كافية فحسب، بل محاولة لتحقيق تقدّم على الأرض يغير في الوضع الاستراتيجي لمناطق السيطرة، وعندما تعود فصائل المعارضة إلى طاولة المفاوضات، تكون في موقف ضعيف ميدانياً، إذا ما تمكنت قوات النظام من السيطرة على مزيد من البلدات، وعزل مناطق المعارضة عن بعضها بعضاً.

وقال مدير المكتب الإعلامي لدى فصائل الجنوب، حسين أبازيد، لوكالة “فرانس برس”، إنه “منذ مساء الأربعاء يتّبعون سياسة الأرض المحروقة”، موضحاً أن هدف التصعيد “إجبار الثوار على التفاوض” مجدداً. وقال إن أحد الضباط الروس هدد وفد الفصائل قبل انسحابه من الاجتماع الأربعاء بأنه “في حال لم يوافقوا على الاتفاق، فإن أربعين طائرة ستغادر من (مطار) حميميم لقصف الجنوب”.

واخترق الطيران الحربي الروسي الأجواء الأردنية أثناء تنفيذه غارات جوية على معبر وبلدة نصيب على الحدود السورية-الأردنية. واشتدت الغارات والقصف المدفعي والصاروخي بشكل خاص على بلدة صيدا في الريف الجنوبي الشرقي التي تعرضت وحدها لعشرات الغارات الجوية، قُتل خلالها العديد من المدنيين.

وتزامن القصف المكثف على صيدا مع هجوم من قبل قوات النظام والمسلحين الموالين لها في محاولة للسيطرة على البلدة، والاقتراب بشكل أكبر من معبر نصيب الحدودي مع الأردن. وأعلنت قوات النظام سيطرتها على البلدة، إلا أن مصادر المعارضة قالت لـ”العربي الجديد” إن قوات النظام حققت بعض التقدم في الجهة الشرقية من بلدة صيدا، وتحديداً في منطقة المساكن العسكرية. كما أوضحت “غرفة العمليات المركزية في الجنوب” أن قوات النظام والمليشيات المساندة لها تقدّمت “على أحد المحاور شرقي البلدة” في ظل استمرار الاشتباكات. كما طاولت عمليات القصف كلاً من الطيبة وأم المياذن واليادودة، إضافة لدرعا البلد، التي ألقت عليها مروحيات النظام أيضاً براميل متفجرة.

من جهتها، قالت فصائل المعارضة إنها كبّدت قوات النظام خسائر فادحة في الأرواح والعتاد على جبهات ريفي درعا الشرقي والغربي. وأكدت أنها تمكّنت من قتل أكثر من 37 عنصراً من قوات النظام وذلك في هجوم مضادٍ لها على محور القاعدة الجوية غرب درعا البلد، إضافة إلى تدمير دبابة لقوات النظام والمليشيا المساندة لها. كما قُتل أكثر من 15 عنصراً من النظام في بلدة صيدا خلال محاولة اقتحام البلدة من الطرف الشرقي.

وكانت فصائل المعارضة قد سيطرت أخيراً على نقطة بيت بدرة العسكرية، قرب القاعدة الجوية غرب درعا البلد، بعد معارك عنيفة مع قوات النظام والمليشيات المساندة لها. وتشكل القاعدة الجوية (كتيبة الدفاع الجوي) غرب درعا أحد أبرز أهداف هجمات قوات النظام والطيران الروسي في الحملة العسكرية الحالية على محافظة درعا. وتكمن أهميتها في قربها من جمرك درعا القديم من جهة، ووقوعها على الطريق الواصل بين مدينة درعا والحدود الأردنية من جهة أخرى، وعلى “الطريق الحربي” الواصل بين ريفي درعا الشرقي والغربي من جهة ثالثة. ولهذه الأسباب تستميت قوات النظام في محاولاتها للسيطرة على القاعدة.
ونشرت “غرفة العمليات المركزية في الجنوب” صوراً لقتلى قوات النظام في نقطة بيت بدرة التي سيطرت عليها الفصائل العسكرية وقامت بتفجيرها وتدميرها، وهي تُعتبر نقطة متقدمة لقوات النظام في محيط القاعدة الجوية. واعترفت وسائل إعلام تابعة للنظام بمقتل 23 جندياً من قوات النظام وجرح آخرين على يد الفصائل في نقطة بيت بدرة.

وكانت قوات النظام قد فتحت جيباً عسكرياً من حي سجنة المجاور لحي المنشية، باتجاه المزارع من الجهة الخلفية لجمرك درعا القديم، على الحدود السورية الأردنية، وذلك في محاولة لمحاصرة كامل درعا البلد، إضافة إلى فتح محور باتجاه منطقة غرز والواقعة بين درعا البلد وبلدة نصيب الحدودية، في إطار مساعيها المستمرة لفصل ريف درعا الشرقي بشكل كامل عن الريف الغربي، والوصول إلى معبر نصيب الحدودي، بعد فشلها في إحراز تقدم من محور القاعدة الجوية.

وفي الريف الغربي، شنّت قوات النظام بمساندة الطيران الروسي هجوماً واسعاً من أربعة محاور على مدينة طفس بهدف السيطرة عليها، لكنها لم تتمكن من التقدّم نحو المدينة، في ظل تمركز عناصر الجيش الحر على كل المحاور. كذلك، نشرت “غرفة العمليات المركزية في الجنوب” عبر “تلغرام” تسجيلاً قالت إنه توجه عناصر من الجيش الحر لمؤازرة محاور مدينة طفس. كما أصدر “القضاء الأعلى في حوران” قراراً باعتقال الأشخاص الذين يقفون على طرق رئيسية في محافظة درعا ويمنعون مرور المؤازرات لـ”الفصائل العسكرية” في مناطق المواجهات.

وجاء هذا التصعيد الكبير من جانب روسيا والنظام بعد فشل مفاوضات بصرى أول من أمس، بسبب إصرار الجانب الروسي على تسليم المعارضة السلاح الثقيل. لكن المتحدث الرسمي باسم غرفة العمليات في الجنوب، إبراهيم الجباوي، قال لـ”العربي الجديد”، إن المفاوضات مع الروس “لم تفشل بشكل نهائي”، مضيفاً: “تعثرت جولة الأربعاء. هناك جهود خيّرة يبذلها الأردن على أعلى المستويات نأمل أن تسفر عن نتائج طيبة، ونعود إلى التفاوض”. وفي هذا السياق، نقلت قناة “الجزيرة” عصر أمس عن غرفة عمليات الجنوب، أن المفاوضات ستستأنف مساء (أمس) بوساطة أردنية. فيما ذكرت وكالة “فرانس برس” أن غرفة العمليات طالبت في بيان نشرته على “تويتر” “برعاية أممية لمفاوضات الجنوب”.

من جهته، قال قاسم نجم، وهو عضو في وفد المعارضة المفاوض مع الجانب الروسي، في تصريحات لـ”العربي الجديد”: “نحن نرفض تسليم أي نوع من أنواع الأسلحة، هم يريدون أن نستسلم”. وأشار إلى أن الجانب الروسي “هددنا في جلسة الأربعاء بحرق درعا، وبدأوا بالفعل بأربعين طائرة فوق سماء حوران، ويحاولون التقدّم على أكثر من محور ومنطقة”.
أما نائب رئيس الهيئة العليا للمفاوضات خالد المحاميد، فقال إن المفاوضات قد تستأنف خلال ساعات، وحتى صباح اليوم الجمعة على أبعد تقدير حسب قوله. وأضاف في تصريحات صحافية أن المعارضة تريد ضمانات بألا يتم استهداف المدنيين والعسكريين في مناطق المعارضة في حال تم تسليم السلاح.
إلى ذلك، دعا “فريق إدارة الأزمة” في الجنوب السوري إلى عدم التفريط بالسلاح، مؤكداً تمسك الجيش الحر بخيار المقاومة بعد فشل المفاوضات مع الجانب الروسي، مطالباً بتشكيل وحدات مقاومة شعبية.

في ظل هذا التصعيد العسكري، تتفاقم الأزمة الإنسانية لعشرات آلاف النازحين. وتسبّبت العمليات القتالية في درعا بنزوح أكثر من 320 ألف شخص، كما أعلنت الأمم المتحدة أمس، توجه عدد كبير منهم الى الحدود مع الأردن أو الى مخيمات مؤقتة في محافظة القنيطرة قرب هضبة الجولان. وأوضح المفوض السامي للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيليبو غراندي أن “الوضع الأمني يعوق جهودنا للوصول إلى عدد كبير من الناس الذين هم بحاجة ماسة” إلى المساعدات، محذراً من “خسارة حياة آلاف الأبرياء مرة جديدة إذا لم يتم اتخاذ تدابير عاجلة”. ودعا غراندي “نظراً للأخطار المحدقة، لتوفير مأوى مؤقت في الأردن لمن يحتاجون الأمان”.

ولا يبدو أن الأردن سيستجيب للدعوات لفتح الحدود، وقالت المتحدثة باسم الحكومة الأردنية، جمانة غنيمات، لوكالة “الأناضول” أمس، إن “الأردن اتخذ قرار إغلاق الحدود لحماية أمنه ولتجنب أي مخاطر قد تهدد أمنه ولا تحقق مصالحه”. واستدركت: “فتح الحدود بطلب من الأمم المتحدة لتوفير مأوى للنازحين يصطدم بهذه المصالح”. واعتبرت أن “المطلوب من المجتمع الدولي والأمم المتحدة أن يقوما بدورهما في إغاثة اللاجئين والضغط باتجاه التوصل لحل سياسي ينهي الأزمة في الجنوب السوري وعدم التخلي عن دورهما الأساسي والمهم وهو إنهاء العنف والقتل”. واعتبرت المتحدثة الحكومية، أن “الحل ليس في فتح الحدود بل في التوصل إلى حل سياسي ينهي أصل المشكلة”.

فيسبوك