كثيرة هي رسائل الزمن التي يبعثها من مصادفات التاريخ، يقرأها أهل الحكمة والبصيرة أولئك الذين وصفهم القرآن بأولي الألباب، أي أصحاب العقول الصحيحة والفطرة السليمة والنظرة الثاقبة والتحليلات الصادقة، فمثلا كان في يوم ولادة النبي محمد صلوات الله وسلامه عليه، أن ارتج إيوان كسرى، وسقطت منه أربع عشرة شرفة، وتهاوت الأصنام المنصوبة في الكعبة وحولها، وانكبت على وجوهها، وغاضت بحيرة ساوة التي كانت تسير فيها السفن وجف ماؤها، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك ألف سنة.

وفي يوم السابع عشر من يونيو توفي الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفان، ثالث الخلفاء الراشدين شهيدا صابرا محتسبا بعد حصاره في بيته، كما توفي في هذا اليوم أيضا الشيخ الجليل وإمام الأمة الشيخ محمد متولي الشعراوي، صاحب التأملات والتفاسير الميسرة، كما استشهد في ذلك اليوم الأزهري السوري الثائر سليمان الحلبي، بعدما نجح في تخليص الأمة من الكافر القاتل المحتل الفرنسي كليبر، الذي أعقب نابليون بونابرت في قيادة قوات الاحتلال الفرنسي على مصر.

وفي هذا اليوم 17 يونيو 2019، فاضت روح الرئيس الشهيد محمد مرسي، بعد 6 سنوات قضاها في الأسر على يد جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، الخائن الذي زرعته إسرائيل داخل الجيش المصري، واستطاع بمعونة من السعودية والإمارات وأمريكا، أن يخدع المصريين وأن يقود انقلابا دمويا ضد أول وربما آخر رئيس منتخب مدنيا في تاريخ مصر.

عثمان بن عفان

عبر التاريخ الإسلامي وقعت أحداث جسام وفتن كان لها أثر بالغ على المسلمين، ومن هذه الأحداث استشهاد ثالث الخلفاء الراشدين سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، يوم 18 من ذي الحجة عام 35 هجريًا الموافق 17 يونيو 656 ميلادياً، كان قتل عثمان (رضي الله عنه) حدثًا مأساويًا فارقًا في التاريخ الإسلامي كله، حيث كان بمثابة الحدث المؤسس لفتنة أكبر نتج عنها انشقاق أمة الإسلام تمامًا كما حذر عثمان نفسه، وقد لاحظ هذا ثُمامة بن عدي القرشي رضي الله عنه، وكان عاملًا لعثمان على صنعاء، فلما أتاه نبأ قَتْله بكى وقال‏:‏”الْيَوْمَ انْتُزِعَتْ خِلافَةُ النُّبُوَّةِ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَارَتْ مُلْكًا وَجَبْرِيَّةً مَنْ أَخَذَ شَيْئًا غَلَبَ عَلَيْهِ”.

حرق المتمردون باب بيت سيدنا عثمان والسقف، وكان يصلي، ويقرأ سورة طه من المصحف الشريف، وكان يومها صائمًا، فدخل عليه رجل من المحاصرين، ولما رآه سيدنا عثمان قال له: بيني وبينك كتاب الله، فخرج الرجل، ودخل آخر أسود البشرة، مصري يُقال له: الموت الأسود، فخنقه وكانت روحه لينة وجسده رقيق، فغاب عن الوعي وظن أنه مات فخرج.

ثم دخل على سيدنا عثمان رضي الله عنه كنانة بن بشر الملعون، وحمل السيف، وضربه به، فاتّقاه بيده فقطع يده، فقال عثمان رضي الله عنه عندما ضُرب هذه الضربه: بسم الله توكلت على الله. فتقطرت الدماء من يده، فقال: إنها أول يد كتبت المفصل، وتقاطر الدم على المصحف، وتثبت جميع الروايات أن هذه الدماء سقطت على كلمة: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ}..البقرة:137، وفي آخر أيام الحصار وهو اليوم الذي قُتل فيه، رأى في منامه وأصبح يُحدّث الناس ليقتلني القوم؛ ثم قال: “رأيت النبي، ومعه أبوبكر وعمر، فقال النبي: يا عثمان أفطر عندنا”، فأصبح صائماً، وقتل من يومه.

الشعراوي

توفي الشيخ محمد متولي الشعراوي في ١٧ يونيو ١٩٩٨، وهو من أشهر مفسري القرآن الكريم في العصر الحديث بأسلوب بسيط يصل إلى كل قلب وعقل، يروي رحمه الله في مذكراته أنه لما “أرادت الجامعة إقامة حفل تأبين لشهداء مظاهرة كوبري عباس ولكن الحكومة رفضت، فاتفق إبراهيم نورالدين، رئيس لجنة الوفد بالزقازيق، مع محمود ثابت، رئيس الجامعة المصرية، على أن يقام حفل التأبين في أي مدينة بالأقاليم، ومن قبيل التحايل على السلطة ادعى عضو لجنة الوفد بالزقازيق حمدى المرغاوي أن جدته توفيت وأقام سرادقا للعزاء وتجمع فيه المئات”.

وفي هذه الأجواء قام الشعراوي بصفته رئيس اتحاد الطلاب بإلقاء قصيدة يقول مطلعها:”نــداء يا بنى وطنى نــداء.. دم الشهداء يذكره الشبــاب.. وهل نسلو الضحايا، والضحايا.. بهم قد عز في مصر المصاب”، وعندما تنحى المخلوع مبارك عن الحكم، تلاعب إعلام العسكر بعقول المصريين، وتم توظيف كلمة مقتضبة قالها الإمام الشعراوي في غير مكانها، وظل تلفزيون العسكر وقنواته وفضائياته تعيد مقولته عن “الثائر الحق”، بغرض عودة المصريين من الميادين حتى يتجهز الجيش للانقلاب.

سليمان الحلبي

حضر الطالب سليمان الحلبي من بلدته حلب في سوريا الى الأزهر في مصر، وعرف بعض الساكنين معه، وهم من بلده حلب، أنه حضر ليغتال قائد جيش الاحتلال الفرنسي كليبر، وكان عمر سليمان الحلبى ٢٤ عاما، وكان كليبر ومعه كبير المهندسين بالبستان الذي بداره بحى الأزبكية.

وتنكر الحلبى في هيئة شحاذ، وتظاهر بأنه يطلب حسنة فلما مد كليبر يده شدها الحلبى وطعنه ٤ طعنات أردته قتيلا، وحكم على سليمان الحلبى بحرق يده اليمنى، ثم وضعه على الخازوق، ويظل عليه حتى تأكل الطيور جثته، ونفذوا الحكم في تل العقارب في ١٧ يونيو ١٨٠١.

وهاجمته منذ ايام صحف الانقلاب وعلى رأسها اليوم السابع ونعتته بـ”القاتل المأجور”، كما هاجمه أحد كتاب العسكر وهو الصحفي صلاح عيسى، وقال إن: “الحلبي كان عثماني الهوى وكان يرى في هذه المهمة أنها مهمة وطنية ونظر إلى الفرنسيين باعتبارهم غزاة حتى إنه حينما سألوه لماذا قتل كليبر قال بل إنني كنت أجاهد في سبيل الله”.

الرئيس الشهيد مرسي

في يوم 17 يونيو 2019 نال الرئيس محمد مرسي الشهادة، بينما كان يحاجج أحد قضاة النار في محكمة ظالمة عقدها له العسكر، وقد ظل رحمه الله ستة سنوات في أسر العسكر، كان يشكو خلالها من التعذيب النفسي والبدني ووضعه الصحي السيئ والمأساوي، وحبسه في زنزانة انفرادية ومنعه من مقابلة محاميه او أفراد أسرته، حتى فقدت احدي عينيه نورها، ونهش السكر جسده.

ولأول مرة في العالم يوضع رئيس دولة في قفص من الزجاج يعكس صورته هو فقط، ويحرمه من رؤية من حوله أثناء محاكمته، ويمنع صوته من الخروج من القفص، بل ويحاكمه قضاة قام هو نفسه بعزلهم بعدما ثبت إجرامهم وفساد أحوالهم ورشوتهم، وهو ما كان بمثابة انتقام وليس محاكمة عادلة.

واعتبر الرئيس التونسي السابق، المنصف المرزوقي (2011: 2014)، أن “وفاة الرئيس الشهيد محمد مرسي في الظروف المأساوية التي رأيناها شهادة إلى الأبد على صلابة الرجل وعلى شجاعته وإنسانيته وتمسكه لآخر نفس بقيمه ومواقفه”.

وأضاف المرزوقي، عبر “فيسبوك”: وهي “شهادة إلى الأبد على انعدام الحد الأدنى من الشهامة والنبل والفروسية وقيم العروبة والإسلام عن خصومه”، ورأى أنه “إن كان هناك شك في وقوف قتلة الرئيس الشهيد أمام عدالة الأرض، فموعدهم قد ضرب منذ رابعة وقبلها وبعدها أمام عدالة السماء”، وأردف: “وعند الله تجتمع الخصوم.. أما التاريخ فقد قال كلمته في محمد مرسي وقد دخله اليوم من أوسع أبوابه”.

Facebook Comments