في مثل هذا اليوم 20 أغسطس عام 1951 استقبلت قرية العدوة بمحافظة الشرقية أحد أبطالها الذي سيكون له شأن بعد ذلك، وسيقدم دماءه وروحه قربانا لتطهير مصر من طغاة العسكر والفسدة وقطع أصابع الصهيونية التي تغولت في مفاصل الدولة، وقال في خطاب شهير: “ثمن الشرعية حياتي”، رددها مرات ثلاثة في آخر خطاب له قبل غدر الجيش به في 3 يوليو 2013.

لم تكن هذه الكلمات الثلاث مجرد شعارات جوفاء نطق بها الرئيس الشهيد مرسي، بل كانت واقعا جسده في حياته ومسيرته طيلة مشواره السياسي، وكانت آخر كلماته قبل أن يسقط مغشيا عليه في دقائق ما قبل الاغتيال، وكان يصر على أنه “الرئيس الشرعي المنتخب للبلاد”.

منذ اليوم الأول لتسلمه الحكم وقف ضده الجيش والأجهزة الأمنية والأجهزة الخدمية كافة، وسفارات عربية وأجنبية ومنظمات دولية ومجتمع مدني، وفلول النظام السابق وتحالف رجال الأعمال الفاسدين، وضخت أموال عربية الدم واللسان إلى جيوب السياسيين والمعارضين له وأصحاب القنوات الفضائية ووسائل الإعلام.

ميلاد عالم

وُلد محمد مرسي يوم 20 أغسطس من عام 1951 في قرية العدوة بمحافظة الشرقية، لكن لهذا الرجل قصة خاصة مع شهر يونيو، ففي هذا الشهر من السنة انتخب رئيسا لمصر عام 2012، وفيه جرى الانقلاب عليه في 2013 تحت غطاء خروج شعبي ”مخدوم“ في جزء كبير منه، وفيه توفي عام 2019 وهو يحاكم بتهم ظالمة.

نشأ محمد مرسي في كنف أسرة مصرية بسيطة، يعولها أب فلاح، وكان أكبر إخوته الخمسة، وكجلّ أبناء هذه الطبقة، كافح محمد مرسي ومعه أسرته إلى أن تخرّج مهندسا في جامعة القاهرة أواسط عقد السبعينيات، لتمنحه الأقدار منحة دراسية أخذته إلى جامعة كاليفورنيا، مباشرة بعد حصوله على الماجستير في هندسة الفلزات من جامعة القاهرة.

هناك في أمريكا، حصل على الدكتوراه في الهندسة متخصصا في حماية محركات المركبات الفضائية، وهناك أيضا بدأت قصته مع حركة الإخوان المسلمين، فهناك في أقصى الغرب الأمريكي، تعرّف محمد مرسي على زوجته نجلاء علي محمود المترجمة في المركز الإسلامي بكاليفورنيا، ومن خلالها انضم إلى حركة الإخوان المسلمين في رحلة استمرت أربعين عاما.

قبل ذهابه إلى أمريكا، عمل محمد مرسي جنديا بسلاح الحرب الكيميائية في عامي 1975 و1976، ولم يكن يدري حينها أن قصته مع الجيش المصري لن تنتهي بأدائه الخدمة كباقي شبان مصر.

وبعد نيله شهادة الدكتوراه في كاليفوريا عام 1982، مكث محمد مرسي ثلاث سنوات مواصلا أبحاثه العلمية، حيث حصل على درجة أستاذ مساعد في جامعة ”نورث ردج“ في الولايات المتحدة بكاليفورنيا.

وفي منتصف الثمانينيات، عاد محمد مرسي إلى مصر؛ حيث عمل أستاذا ورئيسا لقسم هندسة المواد بكلية الهندسة في جامعة الزقازيق، وهي الوظيفة التي ظل يشغلها إلى غاية العام 2010.

الرئيس

انتخب رئيسا لمصر بانتخابات نزيهة بنسبة أصوات تزيد عن الأصوات التي حققها الرئيس الأمريكي باراك أوباما وقتها الذي عجز هو ومستشاروه ومساعدوه، الذين يزيد عددهم عن 500 موظف، عن توصيف ما حدث بمصر، فلم يهن عليهم وصف ما حدث للرئيس محمد مرسي بالانقلاب العسكري وبأنه رئيس ديمقراطي منتخب، وأسير ومحتجز لدى الجيش والأجهزة الأمنية الحاكم الفعلي والوحيد في مصر.

ورث مرسي تركة ثقيلة تقصم الظهر، وهو حين وقف على تخوم الواقع المر لمصر، حاضنة العروبة وبوابة المستقبل العربي، وجد أمامه عشرات الملفات التي تحتاج إلى سنوات من الصبر والعمل والصد والرد.

لا يوجد ملف مصري لا يواجه معضلة أو مأزقا، سواء كان ملفا داخليا أو خارجيا، كل الملفات كانت عبارة عن قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة، وساحة مفتوحة أمام جميع الاحتمالات.

وقف مرسي على حد السكين، واجه ماكينة إعلامية رصدت لها ملايين الدولارات من الداخل والخارج، حملةً إعلامية حكمت عليه بالفشل منذ اليوم الأول في مواجهة مشاكل تراكمت منذ أن طبق السادات سياسة الانفتاح، كما واجه ضغطا شعبيا متزايدا لتصحيح أخطاء عالقة منذ عشرات السنين بأقصى سرعة وبقفزة تفوق “قفزة فليكس” الأسطورية.

ترجل الفارس

مرسي لم يكن ممثلا لـ”الإخوان المسلمين”، حتى رئيس الوزراء ومعظم أركان وزارته لم يكونوا من “الإخوان”، كما أن قادة الأجهزة الأمنية والجيش وكبار المسؤولين في الدولة لم يكونوا “إخوانا”، كانوا من بقايا النظام السابق، وسائل الإعلام كانت مستقلة وليست “إخوانية” لدرجة أنها تمادت في انتقاده بشكل شخصي مسيء و”قليل الأدب” من قبل بعض الإعلاميين الذين تحولوا إلى “الردح”، دون أن يغلق فضائية أو صحيفة واحدة.

وتوفي الرئيس الشهيد تقريبا في نفس التاريخ الذي انتخب به أي قبل سبعة أعوام من يوم وفاته، ولم يصل عليه إلا أسرته، وعدد من محاميه، وسط إجراءات تعسفيه مشددة، ولم تطلق 21 طلقة تحية وداعية له، ولم تعزف القرب العسكرية لحن الوداع الأخير، لأنه كان محسوبا على الشعب الذي انتخبه، لا على العصابة العسكرية التي غدرت به وأجهضت الثورة.

ربما لم يمنح القدر الرئيس الشهيد المساحة الزمنية الكافية لكي ينجح بشكل كامل، لكنه هو الرئيس الوحيد المنتخب بطريقة ديمقراطية في تاريخ مصر الطويل، وسنواته الأخيرة وحيدا في السجن، بحسب مجلة “إيكونوميست” كانت “مقطعا تراجيديا أخيرا في الثورة المصرية، وأمر هامشي في بلد عاش سنوات طويلة تحت حكم الديكتاتورية”.

حتى النفس الأخير، وهو أسير زنزانته الانفرادية، وحبيس “القفص الزجاجي” في قاعة المحكمة كان يصر على أن يخاطب بوصفه “رئيس جمهورية مصر العربية”، و”سيادة الرئيس”، و”القائد الأعلى للقوات المسلحة”.

بقي حتى رحيله سجينا لدى جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، الذي وقع على قرار تعيينه بنفسه وزيرا للدفاع، رغم اعتراض الكثيرين على هذا التعيين، وفي كل يوم كانت تخترع له تهمة، وتضاف إلى قائمة التهم من بينها التحريض على القتل، والتخابر مع جهات أجنبية، وإفشاء أسرار الأمن القومي أثناء فترة رئاسته، إضافة إلى سلة مليئة بالتهم، أقرب إلى مسرح اللامعقول وروايات الخيال العلمي، وصندوق الشرور أو “صندوق باندورا” في الميثولوجيا الإغريقية.

وفي مقال كتبه البروفيسور الدكتور كمال إنات، عضو الكادر التدريسي في قسم العلاقات الدولية بكلية العلوم السياسية في جامعة صقاريا التركية، أجاب فيه عن سؤال من هم قتلة محمد مرسي الحقيقيون؟، قال فيه:”المشتبه بهم الذين نجدهم أمامنا بينما نحاول التعرف على قتلة مرسي، هم نفس البلدان التي حرضت على انقلاب عام 2013. والمحرضون على قتل مرسي وشهداء رابعة، هم الولايات المتحدة والإمارات وإسرائيل والسعودية وعدد من الدول الغربية الأخرى”.

Facebook Comments