بإعلان الرئيس الأمريكي، أمس، عن تفاصيل خطته للسلام المتوهم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، تكون خطة صفقة القرن قد دخلت مراحلها الأخيرة، بعد قرارات وسياسات صهيوأمريكية على أرض الواقع، سواء بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، أو الاعتراف الأمريكي بشرعية المستوطنات الصهيونية بالأراضي الفلسطينية بالمخالفة للقانون الدولي، وكذلك الحصار غير المسبوق لقطاع غزة الذي تنفذه سلطة أوسلو وإسرائيل ومصر، وغيرها من القرارات الجائرة التي رسخت الفصل العنصري وهدم منازل الفلسطينيين في القدس وغيرها من المدن الفلسطينية، وصدور مرسوم من ترامب بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة.

ويأتي الإعلان عن خطة الإملاءات الأمريكية لتصفية القضية الفلسطينية التي تُعرف إعلاميًّا بـ”صفقة القرن” في هذا التوقيت الملتبس تحديدًا، ليؤكد أن إدارة ترامب غسلت يديها من السلام في المنطقة، في وقت احتفظت فيه إسرائيل بالفوائد التي اكتسبتها من الوقائع التي فرضتها هذه الصفقة.

خطة سلام إدارة ترامب بدأت تنفذ عمليا، عبر تهميش القرار الفلسطيني، ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، وتعزيز التعاون العربي- الإسرائيلي ضد إيران، وبالتالي إعلان هذه الخطة المفترضة سيكون رمزيا في هذه اللحظة الفاصلة في الوقت الضائع بين الانتخابات الإسرائيلية في شهر مارس المقبل والانتخابات الأمريكية في شهر نوفمبر المقبل. يعلم نتنياهو جيدا أن هذا الإعلان الرمزي هو هروب إلى الأمام من السياسة الإسرائيلية، ولحظة لتصوير ترامب على أنه أفضل صانع صفقات في التاريخ الحديث، فيما الواقع على الأرض سيبقى كما هو، لتنضم “صفقة القرن” إلى محاولات أمريكية سابقة وضعت على الرف.

الخطة المفترضة هي طور الإعداد منذ عام 2017، وتحمل توقيع صهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، والمبعوث الرئاسي السابق جايسون غرينبلات، والسفير الأمريكي لدى إسرائيل ديفيد فريدمان.

الشق الاقتصادي الذي تمّ الإعلان عنه في شهر يونيو الماضي، يعطي حوافز اقتصادية للفلسطينيين تحت ستار 50 مليار دولار من الاستثمارات الدولية، وهي مقاربة وصلت بكوشنر إلى حدّ تشبيهها بخطة مارشال لإعادة بناء أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية.

وبحسب التسريبات، فإن الخطة لن تتضمن عبارة “حلّ الدولتين”، وتعطي الطرف الإسرائيلي السيادة على 30% من الضفة الغربية ومشروع “الحوض المقدس” الذي يتضمن حائط البراق، فيما تكون بعض الأحياء العربية في القدس الشرقية ضمن دولة مستقبلية منزوعة السلاح تمتد على 70% من الأراضي الفلسطينية.

آخر مرة قامت واشنطن بمحاولة وساطة كانت عبر المبعوث الأمريكي السابق جورج ميتشل عامي 2010-2011، وبعدها وزير الخارجية الأسبق جون كيري عامي 2013-2014، لكن الفارق هذه المرة غياب أي دور لوزارة الخارجية الأمريكية أو أي طرف آخر في المؤسسة الحاكمة في واشنطن. وهي المرة الأولى التي تعلن فيها أي إدارة أميركية خطةً قبل أي تواصل مباشر أو تفاوض مع الطرف الفلسطيني، كما هي أول “خطة سلام” يتم الإعلان عنها بالتزامن مع حالة تأهب للجيش الإسرائيلي، خشية من أي تداعيات وتوترات تترافق مع إعلانها.

لم يمانع نتنياهو اقتراح البيت الأبيض عقد لقاءٍ ثلاثي يضم زعيم تحالف “أزرق أبيض” الإسرائيلي بني جانتس، لأنه يدرك أن حضور الأخير يساعده على تبرير أي موقفٍ يصدر عنه حيال “صفقة القرن” خلال حملته الانتخابية. لكن غانتس تهرب من هذا الكمين واقترح لقاء منفصلا مع ترامب، من دون الإدلاء بأي تصريح قبل العودة إلى إسرائيل لمواصلة محاولته تجميد طلب نتنياهو في الكنيست للحصول على حصانة من الادعاء.

جانتس يحاول إبقاء علاقته قائمة مع ترامب في حال أصبح رئيس الوزراء الإسرائيلي المقبل، لكن صور ترامب- نتنياهو خلال الحملات الانتخابية الإسرائيلية تعطي انطباعاً أن الإدارة الأمريكية طرفٌ في السياسة الإسرائيلية الداخلية، وهذا أمر غير مسبوق في واشنطن التي ظلّت تاريخياً حيادية في هذا المجال. بإعلان الخطة عشية الانتخابات الإسرائيلية، يؤكد ترامب على التداخل بين السياستين الأمريكية والإسرائيلية خلال ولايته.

الانسحاب من أوسلو

في المقابل، تهدد السلطة الفلسطينية بالانسحاب من بنود رئيسية في اتفاق أوسلو إذا أعلن ترامب عن خطة إدارته للسلام، ما قد يعطي هدية مجانية لليمين الإسرائيلي، في ظلّ تقويض مسار أوسلو لسيادة للسلطة الفلسطينية على الضفة الغربية.

الخيارات الفلسطينية محدودة في ظلّ الانقسامات الداخلية والوهن العربي الذي يصل إلى حدود التماهي مع إسرائيل. خطأ الفلسطينيين قد يكون في الإفراط بخوض معركة إسقاط هذا الفاصل الإعلاني بين محاكمتين، وبالتالي إعطاء نتنياهو وترامب كبش فداء لتوجيه اللوم إليهم بإفشال ما كان ليكون “صفقة القرن”.

وكانت صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية قد كشفت اليوم عن بعض ما سيعلنه ترامب، وهي  إعادة رسم الحدود بالضفة الغربية لضم المستوطنات الكبرى لإسرائيل، وضم 30% من مساحة الضفة الغربية لـ”إسرائيل”، كذلك ضم جميع مستوطنات الضفة، وإخلاء بعض النقاط الاستيطانية الصغيرة.، ومنح حرية عمل كاملة للجيش والأمن الإسرائيلي داخل الدولة الفلسطينية”، على أن تبقى القدس والبلدة القديمة من القدس بيد “إسرائيل” مع إمكانية تسليم السلطة أحياء بشرقي القدس، مع إلزام الفلسطينيين بالاعتراف بـ”إسرائيل” كدولة يهودية، ونزع سلاح المقاومة في غزة وكل فلسطين.

Facebook Comments