إذا كانت الموجة الأولى للربيع العربي قد انطلقت لأجل مطالب سياسية، كالحقوق والحريات ووقف عملية القمع والاستبداد وانتهاكات حقوق الإنسان، فإن الانتفاضات والاحتجاجات الحالية تحرّكها مطالب اقتصادية واجتماعية واضحة، نتيجة فشل السياسات الاقتصادية للسلطويات العربية، وتورّطها في حالات فساد كبيرة، كما الأحوال في العراق ومصر ولبنان.
ويبدو أن ملف فساد الطبقة السياسية هو المهيمن على أجندة الشعوب العربية الآن، والدافع الأساسي لتحرّكها الحالي ضد النخب السياسية التي فشلت في تحقيق مطالب الشعوب العربية وطموحاتها، على الرغم من وعودها البرّاقة. وتكشف تطورات الحالة السياسية العربية، خلال الشهور والأسابيع الماضية، عن ظاهرة تبدو مشتركة بين عدد من البلدان، وهي فقدان الشعوب الثقة في النخب والطبقة السياسية، ورفضها استمرار الوجود السياسي لهذه الطبقة. وقد تُرجم ذلك، سواء في اللجوء للشارع والتظاهر من أجل رفض استمرار هذه الطبقة في السلطة، والمطالبة بوقف فسادها ومعاقبتها عليه، وذلك كما يحدث في العراق ومصر حالياً، ومن قبلهما السودان والجزائر والأردن، أو من خلال صناديق الاقتراع، حيث عاقب الناخبون هذه الطبقة ممثلة في الشخصيات والأحزاب السياسية، كما حدث في تونس أخيراً في الانتخابات الرئاسية التي وصل إلى جولتها الثانية اثنان من المرشحين لا ينتميان للطبقة السياسية المعروفة، أستاذ القانون قيس سعيّد ورجل الأعمال نبيل القروي.

وفي العراق، واضح أن الفساد وصل إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصا بين من يُفترض أنهم نواب الشعب وممثلوه والمدافعون عن حقوقه، حيث يحتل العراق المرتبة 168 من بين 180 دولة في مؤشر الشفافية الدولية. وعلى الرغم من إحالة مسؤولين وسياسيين، بسب تورّطهم في الفساد، إلى القضاء، إلا أن أحداً لم يُحاسب على فساده. وإذ يوجد مجلس أعلى لمكافحة الفساد، إلا أنه لم يفعل شيئاً للتقليل من ظاهرته أو القضاء عليها في المصالح الحكومية وبين النخبة السياسية. وحسب تقرير لصحيفة العربي الجديد، نُشر في مايو/ أيار الماضي، تقدّر جهات رقابية في العراق حجم الأموال التي فقدها العراق جرّاء عمليات الفساد بأكثر من 450 مليار دولار، من أصل 900 مليار دولار حصل عليها العراق من عمليات بيع النفط خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية. وهناك من يؤكد أن الرقم أعلى بكثير، بسبب المنح الدولية التي سُلّمت للعراق بعد عام 2003، وتبلغ عشرات مليارات الدولارات، إضافة إلى عوائد أخرى حصل عليها العراق غير المتحصلة من النفط. وهذه ليست المرة الأولى التي ينتفض فيها العراقيون احتجاجاً على الفساد، وعلى سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، فقد شهدت البلاد احتجاجات عديدة خلال العامين الأخيرين. ولكنها هذه المرة الأكثر عنفاً، حيث سقط أكثر من مائة قتيل وآلاف الجرحى، في نحو أربعة أيام، بسبب استخدام الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين. وهو ما دفع الحكومة العراقية إلى فرض حظر التجوال في بغداد ومحافظات الجنوب، قبل أن ترفعه بعدها بساعات، من أجل تقليل التوتر والاحتقان. وهناك أحاديث عن احتمال حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات برلمانية جديدة خلال الشهور المقبلة.

وفي مصر، الفساد هو الملف الوحيد الذي استطاع أن يحرّك مياه السياسة الراكدة منذ أكثر من ست سنوات. وهو ما أعطى رجل الأعمال، محمد علي، الزخم الذي حصل عليه منذ ظهوره. خاصة مع تأكد نشطاء كثيرين من الوقائع التي ذكرها، والمتعلقة بفساد القصور والفلل التي يمتلكها عبد الفتاح السيسي ورجاله وأفراد من عائلته. وهو ما حرّك الشارع في احتجاجات 20 و27 سبتمبر، والتي كانت الأولى منذ تولي السيسي السلطة قبل خمسة أعوام. كما أن ظاهرة محمد علي، في حد ذاتها، دليل على الفشل الذريع للطبقة السياسية في مصر، خصوصا في المعارضة. وهي التي فشلت في التعبير عن مطالب الشارع، بالطريقة التي فعلها محمد علي، وكشفت مدى الانفصام بين هذه الطبقة والناس. وفي محاولةٍ لامتصاص الغضب الشعبي، اضطرت الحكومة المصرية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة، تحاول منها تحسين الأوضاع المعيشية لملايين المصريين الذين يدفعون ثمن السياسات التقشفية التي تفرضها أجندة صندوق النقد الدولي.

وفي لبنان يبدو ملف الفساد كبيراً ومتشعباً. حيث لا يعرف أحد أين تذهب أموال المساعدات والمعونات التي تصل إلى البلاد. وزاد الطين بله ما كشفته صحيفة نيويورك تايمز عن منح رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، عارضة أزياء من جنوب أفريقيا نحو 16 مليون دولار، من أجل قضاء بعض الوقت معه.
عندما يقارن المواطن العربي بين ادعاءات الفقر و”العوز” التي يردّدها حكامه، وسلوكهم الفاسد، يكتشف حجم الكذب والتدليس الذي يمارسه هؤلاء من أجل امتصاص حقوق المواطن والإمعان في إفقاره، حتى لا تقوم له قائمة. وهو ما يدفع شبابا كثيرين إلى الاحتجاج والتظاهر، رفضاً لهذا التناقض والازدواجية بين الخطاب والسلوك. لذا، سيكون من الصعب تخيّل أن تظل الأنظمة والحكومات العربية منخرطةً في الفساد، من دون أي محاولة للإصلاح، ومحاربة هذا الفساد، وذلك من دون أن تنتفض الشعوب ضدها وتطالب برحيلها، وذلك مهما كان الثمن. ولعل هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن قراءتها في الاحتجاجات الراهنة بالعراق، ومن قبلها مصر.

نقلاً عن “العربي الجديد”

Facebook Comments