كتب: سيد توكل

بفضل العدوان العسكري الروسي والإيراني وإجرام الميليشيات الشيعية وعلى رأسها حزب الله اللبنانية، وتآمر رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، تدخل سوريا عام 2017 تنزف دماً وينقضي العام الخامس من عمر ثورتها «الأكثر كلفة» بين ثورات الربيع العربي.

 

وبعدما أعلنها "السيسي" صراحة أنه في صف نظام الأسد، وأن جنرالات العسكريين وخزائن مصانع مصر الحربية رهن إشارة روسيا وإيران، لا يزال "المجرم" على رأس السلطة في دمشق، في الوقت الذي لا تزال فيه المعارضة المسلحة منقسمة على نفسها، وتدفع الثمن بسقوط مناطق كانت خاضعة لنفوذها في يد النظام، كان آخرها أحياء حلب الشرقية.

 

كشف، الكاتب والسياسي السعودي، خالد الدخيل، عن خوف "السيسي" من سقوط نظام الرئيس السوري "بشار الأسد"، وذلك لثلاثة أسباب، الأول أن سقوط الأسد يعني نهاية حكم الجيش والمؤسسة العسكرية في سوريا، وهذا يسلط الضوء على حكم الجيش في مصر، وتبدو وكأنها الوحيدة عربيا في ذلك. 

 

الثاني أن سقوط الأسد سيفتح الباب أمام الإخوان ليكونوا طرفا في حكم سوريا، الأمر الذي قد يعطي دفعة لإخوان مصر، ويشكل ضغطا على الحكومة هناك.

 

الثالث أن سقوط الأسد يعتبر بالنسبة لـ"السيسي" إضافة للرصيد السعودي والخليجي في المنطقة وتحالفاتهم وسيضع حكومته أمام خيارات تريد تجنبها.

 

سوريا لن تكون الأسد

 

لم يقصر الشعب السوري في ثورته ولكن اللاعبون على مسرح الأحداث كثر، ومع بداية عام 2017 وبعد نجاح النظام مدعوماً بالحلفاء الروس والإيرانيين ينجح في استعادة المدينة الأثرية التاريخية “تدمر” من أيدي تنظيم داعش الإرهابي بعد سيطرة دامت نحو عام من قبل التنظيم ، إلا أنه وقبل نهاية العام، ومع إنشغال النظام وحلفائه بمعركة حلب، ينجح التنظيم في استعادة المدينة التاريخية من جديد.

ومهما يكن من حال الثورة السورية وتقلباتها المستمرة، فإنها بكل الأحوال لن تعود إلى السابق، وأنها أنهت وإلى الأبد، فكرة “سوريا الأسد” مهما حاول النظام تأجيله أو التغاضي عنه، فإن رحيل النظام ومحاسبته على جرائمه بحق الشعب السوري بات مطلباً لا تراجع عنه، وهو ما أدركه المجتمع الدولي، مهما حاول حلفاء النظام إبقاء الأسد على رأس السلطة كشرط في أية مفاوضات مع المعارضة.

 

«لغز» تدمر

 

في مارس 2016 وبعد سلسلة عمليات واسعة نجحت قوات النظام مدعومة بالطيران الروسي في الجو والميليشيات الإيرانية على الأرض، في استعادة مدينة تدمر التاريخية من تنظيم داعش بعد سيطرة التنظيم عليها نحو عام، إثر انسحاب قوات النظام بشكل مفاجئ أثار العديد من علامات الاستفهام.

 

لاقت العملية وقتها ترحيباً أممياً، فعلى لسان الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، عبّر فيها عن سعادته بنجاح قوات الأسد  باستعادة مدينة تدمر الأثرية وطرد مسلحي “داعش” منها، معرباً عن أمله بحمايتها وترميمها.

 

تماماً وكما كان سقوطها في مايو 2015 في يد تنظيم داعش “مفاجأة” للعديد من المراقبين، فاجأ التنظيم الجميع بالسيطرة مجدداً على المدينة الأثرية وسط سوريا، في ظل نجاحات النظام والحلفاء في جبهة حلب وطرد المعارضة من أحيائها الشرقية، بعد سلسلة مجازر بحق المدنيين قوبلت برفض واستهجان رسمي وشعبي من العديد من دول العالم.

 

لكن المفاجأة هذه المرة كانت أوقع، لأن التنظيم نجح ليس فقط في استعادة المدينة الأثرية التاريخية، ولكن أيضاً نجح التنظيم في السيطرة على قاعدة عسكرية روسية بالمدينة، مجهزة بمعدات لوجستية  بالإضافة إلى صناديق من الأسلحة والذخائر والقذائف بعد فرار الروس منها.

 

وكما يبقى سقوط المدينة الأثرية في يد التنظيم في المرة الأولى “لغزاً” بعد انسحاب قوات النظام من المدينة بشكل مفاجئ، تظل علامات الاستفهام حول تداعي المدينة مرة أخرى في دي التنظيم، وسيطرته على قاعدة عسكرية روسية بمعداتها وأسلحتها “مطروحة” لا سيما في ظل حديث موالين للنظام عن تسليم الروس في تدمر مواقعهم لداعش، وانسحابهم دون قتال، الأمر الذي فاجأ الميليشيات التي بقيت في المدينة.

 

تركيا تحتضن الثورة

 

أطلقت الحكومة التركية عمليتها العسكرية المسماة “درع الفرات” لدعم فصائل المعارضة السورية لطرد داعش من منطقة الشمال السوري بدءاً من جرابلس، ثم توسعت لتشمل إبعاد المقاتلين الأكراد إلى شرق نهر الفرات.

 

انطلقت العملية فجر يوم 24 أغسطس 2016 لاستعادة مدينة جرابلس السورية -الواقعة على الضفة الغربية لنهر الفرات والمتاخمة للحدود التركية بريف حلب الشمالي- من قبضة داعش، وتأمين المدن التركية الحدودية من نيران قصفه. وجرابلس هي آخر مدينة مهمة على الحدود يسيطر عليها التنظيم الذي دخلها في يناير 2014.

 

تتكون قوات عملية “درع الفرات” من كتائب عسكرية تابعة لفصائل المعارضة السورية وخاصة الجيش الحر، ومن هذه الكتائب “فيلق الشام” و”لواء السلطان مراد” و”الفرقة 13″. وتتلقى قوات المعارضة السورية إسناداً برياً وجوياً كبيراً من القوات التركية، ومن القوات الجوية التابعة للتحالف الدولي.

 

وتكتسب جرابلس أهمية إستراتيجية لأنقرة؛ فقد قال وزير دفاعها فكري إيشيق “إن الأولوية الإستراتيجية لتركيا هي منع الأكراد من الربط بين ضفتيْ نهر الفرات”، ولذلك فهي تسعى لتفادي إنشاء الأكراد شريطاً لهم على طول الحدود السورية التركية يربط بين مناطق سيطرتهم شرقاً وغرباً، وضمان عدم قيام كيان لهم غرب الفرات باعتبار أن ذلك يهدد وحدة أراضيها.

 

بحلول يوم 29 أغسطس 2016 تمكنت قوات المعارضة السورية من السيطرة على أكثر من ثلاثين بلدة بريف حلب الشمالي الشرقي في إطار عملية “درع الفرات”، بعد اشتباكات مع قوات المليشيات الكردية التي مُنحت مهلة لكي تعود إلى شرق نهر الفرات.

 

ومع نجاح المرحلتين الأولي والثانية من العملية، بدأت فصائل ‹درع الفرات› المدعومة من الجيش التركي مطلع شهر ديسمبر حصار مدينة الباب حيث أطبقت الحصار عليها من الجهات الشمالية والشرقية والغربية، وتمكنوا من السيطرة على منطقة زمزم وأجزاء من منطقة سوق الهال شمال شرقي الباب بعد معارك استمرت لعدة ساعات تكبد خلالها ‹داعش› عشرات القتلى والجرحى.

 

مجازر حلب

 

بنهاية عام 2016 ومع توالي القصف والحصار واستخدام كافة أنواع الأسلحة حتى المحرمة منها دولياً بحق المدنيين، استعاد النظام مدعوماً بالحلفاء الروس جواً وبحراً وبالميليشيات الإيرانية براً، الأحياء الشرقية لمدينة حلب، والتي ظلت تحت سيطرة المعارضة المسلحة منذ 2012. وبحسب محللون فإن هذا “الانجاز” لم يكن ممكناً لولا دعم حليفين رئيسيين للنظام، هما روسيا وايران.

 

لاشك بأن سقوط حلب بيد القوات النظامية السورية والميليشيات المتحالفة معها، يعتبر انتكاسة كبيرة لفصائل المعارضة السورية وحلفائها من العرب والغربيين، التي كافحت طويلاً من أجل أن تبقي المدينة بعيدة عن سيطرة النظام السوري.

 

وكالعادة لم تلق الفظائع التي ارتكبها النظام السوري مدعوماً بالقوات الروسية والمليشيات الطائفية، في الأحياء المحاصرة شرقي حلب، سوى مواقف “باهتة” من الأمم المتحدة، والتي عبّر أمينها العام بان كي مون كعادته عن “قلقه”، في حين حمّل مسؤول آخر في المنظمة الدولية النظام وروسيا المسؤولية. 

 

وبعد سبات طويل طالب الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط، بوقف فوري لإطلاق النار في مدينة حلب، منتقداً “الجرائم والفظائع” التي ترتكبها قوات النظام السوري وحلفاؤه ضد السكان المدنيين هناك، والتي تفوح منها “رائحة الانتقام”.

 

وبينما كانت المظاهرات المنددة بجرائم الأسد وحلفائه بحق سكان حلب، تعمّ عدداً من العواصم العربية والعالمية، مطالبين بتدخل فوري لحماية المدنيين ووقف القصف والاعدامات الميدانية، خرج الأسد لتهنئة أنصاره بما أسماه “تحرير” مدينة حلب وذلك بعد بدء إجلاء المقاتلين وأسرهم من المدينة بعد اتفاق تم التوصل إليه برعاية روسية.

 

سقوط حلب في يد القوات النظامية السورية والمليشيات المتحالفة معها وإن كان بمثابة انتكاسة كبيرة لفصائل المعارضة السورية وحلفائها، إلا أنه لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية الصراع السوري المسلح كما ذكرت صحيفة «واشنطن بوست».

 

وسلطت صحيفة «نيويورك تايمز» الضوء على أصوات الغارات الجوية ورائحة الدم التي باتت تسيطر على حلب “المنكوبة”ونقلت الصحيفة عن مسئول أممي أن ما يحدث في حلب حالياً هو تدمير للإنسانية وانهيار كامل للبشرية.

 

وبحسب الصحيفة فإن عمليات قتل للمدنيين جرت داخل حلب عندما حاول المدنيون الفرار من المدينة كما سجلت كذلك عمليات إعدام أخرى في كل من حي البستان والقصر والكلاسة والصالحين، وكيف أن القوات الموالية للنظام قتلت كل من احتمى داخل المنازل أو وجدته في طريق تقدمها كما أطلقوا النار على مدنيين في ساحة الأحرار بحي الكلاسة والبستان والقصروأن من بين المليشيات التي شاركت بتلك المجازر مليشيات عراقية.

 

"عمران" يفضح العالم

 

قبل سقوط حلب بأشهر قليلة، انتشرت صورة الطفل عمران دقنيش، الذي انتشل حياً من تحت الأنقاض التي أثقلت كاهله الصغير بعد ثلاثة أيام متتالية من ضرب حلب المبرح بالقنابل العنقودية، انتشاراً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدرت أخباره عناوين نشرات الأخبار في المحطات العالمية بعد أن بث ناشطون تسجيلاً مصوراً له وهو يجلس في سيارة إسعاف بعد تعرض منزله في حي القاطرجي بمدينة حلب شمال سوريا لغارات جوية نفذتها طائرات الأسد الحربية.

 

بدا عمران الذي ارتسم على وجهه الصغير حال وطنه الضائع، وينظر إلى العالم نظرة صمت مثلما ينظر العالم إلى حال بلاده بالصمت، لم يذرف دمعه أو ينطق بكلمة، بل اكتفى بمسح الدماء التي غطت وجهه بيده الصغيرة قبل معاينتها بهدوء ومسحها بمقعد السيارة.

 

لم تتمالك كيت بولدوين، مذيعة شبكة «سي إن إن»نفسها لدى عرضها خبر انتشال الطفل عمران من تحت الأنقاض، وقد بدت صدمتها وتأثرها واضحين في صوتها ومحاولة حبس دموعها التي بدت في عينيها، لتقول “هذا هو عمران.. هو حي.. وأرادكم أن تعرفوا”.

 

المشهد السوري إذن يبدو أشبه بـ “كرة الثلج المتدحرجة”، التي باتت بتقلباتها وتحولاتها السريعة، عصّية عن التوقع لما يمكن أن يؤول إليه مستقبل البلاد، خاصة وأن تدخلات القوى الاقليمية والخارجية لا سيما – الأمريكية والروسية والإيرانية والتركية – باتت صاحبة الكلمة العليا لتقرير مستقبل البلاد، في ظل تمسك الأسد بالسلطة، وإصرار الثورة على إسقاطه ومحاكمته على جرائمه بحق الشعب السوري.

 

 

 

 

Facebook Comments