"سيتركون العاصمة القديمة لتحترق بأهلها وتندثر ظلمًا وفقرًا ومرضًا.. وسيذهبون إلى عاصمتهم الجديدة حتى لا تتأذى أعينهم بكل ذلك الدمار"، هذا ما تنبأ به العراب الراحل الدكتور أحمد خالد  توفيق، في روايته الشهيرة "يوتوبيا"، والتي أضحت أيقونة في فضح مرامي ومقاصد الانقلاب العسكري في مصر.

ومن تلك المقاصد ما يسمى بمشروع "سيتي كلوب"، والذي تقوم تكلفته على كاهل المواطن المصري، ويعود ريعه بالكامل إلى الأجهزة السيادية المساندة للجيش، والذي انتشرت إعلاناته في شهر رمضان الجاري.

وكالعادة قامت أذرع الانقلاب الإعلامية بالترويج والتطبيل للمشروع الذي يربط مصالح الشريحة الغنية من الشعب بالعسكر، بينما تظل الشريحة التي تعاني الفقر وما فوقه بقليل وهم السواد الأعظم خارج حسابات الجنرالات.

وتقول صحيفة "اليوم السابع"، كبرى أبواق العسكر والمقربة من المخابرات، إن سلسلة أندية سيتي كلوب، المقرر إقامتها في 15 مدينة مصرية، شهدت إقبالا كثيفا على الاشتراك بمختلف الفروع، وذلك بعد حوالي أسبوعين على انطلاق المشروع الذى تطلقه شركة "استادات القابضة"، والتي تعود ملكيتها إلى المخابرات الحربية.

والتي أعلنت عن إطلاق واحد من أكبر مشاريعها التغولية بهدف تعظيم ربح الجنرالات، عبر سلسلة فروع city club وهى سلسلة أندية اجتماعية ورياضية وترفيهية تقام في جميع المحافظات؛ تماشيا مع رؤية العسكر لتحسين وجههم أمام العالم.

بيزنس وأغراض أخرى

وقررت المخابرات إطلاق المشروع على عدة مراحل، حيث تكون المرحلة الأولى بالتقسيط من سنة إلى 5 سنوات، وشهد فرع شبين الكوم بمحافظة المنوفية اكتمال عضويات المرحلة الأولى بعد وصول عدد الاشتراكات إلى 1020 عملية حجز خلال الأسبوعين الماضيين، وأعلنت الشركة عن غلق باب المرحلة الأولى في هذا الفرع.

وفي باقي الفروع، استمرت عملية الحجز بشكل مكثف، وتزامنا مع الإقبال الكبير، نشرت الشركة عبر حسابات سيتي كلوب على مواقع التواصل الاجتماعي، صور تصميمات النادي التى جاءت على أحدث الطرز، بجانب مواعيد الافتتاح وستكون ضربة البداية بافتتاح 5 فروع دفعة واحدة في أكتوبر المقبل، على أن تتوالى عملية افتتاح باقي الفروع تباعا حتى الربع الأول من 2022.

وجاء الإقبال الكبير على الاشتراكات بفروع CITY CLUB – بحسب اليوم السابع- بالمرحلة الأولى نظرًا لأسعارها التنافسية، خاصة وأنها ستقدم خدمات عالمية إلى أعضائها، وجاءت أسعار العضوية للأسرة كالآتى:

السويس 42000 جنيه.

الزقازيق 62000 جنيه.

العاشر من رمضان 42000 جنيه.

كفر الشيخ 52000 جنيه.

دمنهور 47000 جنيه.

طنطا 62000 جنيه.

بنها 32000 جنيه.

شبين الكوم 52000 جنيه.

دمياط 47000 جنيه.

العبور 42000 جنيه.

بنى سويف 42000 جنيه.

أسوان الجديدة 32000 جنيه.

المنيا 47000 جنيه.

سوهاج 42000 جنيه.

اسيوط 47000 جنيه.

وفي تقدير الناشط والمحلل السياسي "عبده فايد"، فإن "سلطات الانقلاب ترغب في توسيع شبكة تحالفاتها الاجتماعية، وأن عصابة العسكر قرّرت غسل وش ‘‘مصرهم‘‘ من تراب الفقر، وتطهير جسدها من عرق المصانع والمزارع، ولا بد من نمط آخر يجعل شكل (مصر العسكر) شبه فقاعات الخليج الزجاجية مثل دبي."

يقول فايد: "خلاص.. نبني العاصمة الصحراوية الجديدة التي تحتاج 45 مليار دولار، ومدن الجلالة الجديدة والعلمين الجديدة.. لكن هذا النمط لازم يسحق الفقير تحت عجلاته.. صحيح هو هيبني ويكدح في الصحراء، لكن مالوش نصيب منها، هيفضل زي ما هو، في عاصمته القديمة، أو قراه المحرومة من الخدمات الأساسية في الصعيد والأرياف.. إنما الساكنين الجدد، هيكونوا بديهيًا من الأثرياء، القطط السمان من الطبقة العليا، والأثرياء من الشريحة العليا للطبقة المتوسطة، سواء اللي بيشتغلوا في شركات الخدمات الأجنبية، أو المغتربين العائدين من الخليج بعد مراكمة قدر جيد من الثروة".

مضيفا: "هما دول تحديدًا واجهة مصر الجديدة التي يرغب الجنرال السيسي في بروزتها وتقديمها للعالم.. ناس نضيفة، في عاصمة جديدة، بأبراج إدارية هي الأطول في إفريقيا، بيتعلموا في مدارس دولية، وفي الصيف بيروحوا المناطق الساحلية، لممارسة نمط ترفيهي شبيه بالسائد في غرب أوروبا أميركا الشمالية.. إنما الجزء الأكبر من الصورة، مصر الحقيقية، الموجودة خارج نطاق تلك الطبقة الصاعدة، هيعمله فوتوشوب، ويشيله، كأن لم يكن".

للأثرياء فقط

الشبكات النفعية الجديدة من الأثرياء– بحسب الناشط فايد- ستقوم بخدمة طموحات جنرال إسرائيل السفيه عبد الفتاح السيسي، مؤكدا أن "أهم كثر ناس هتلاقيهم بيتكلموا عن قد إيه مصر جميلة، وانتوا اللي مش حاسين، ومهما لفيتوا في العالم مش هتلاقوا مكان زيّها.. ده حقيقي فعلًا… مصرهم تلك التي بنوها مع الجنرال لازم تبقي جميلة.. كومبوندات وعواصم جديدة وساحل شمالي وباسبور متخم بالفيز وفقاعات حضارية مزيّفة عايشين فيها بمعزل عن العامة، ويقدروا يخلصوا مصالحهم بتليفون من وراء الستارة.. هتلاقي فين بلد أحسن من دي تتغنّي بحبها وتخاف عليها؟"، يقول فايد.

ويضيف: "وفعلًا هيخافوا عليها.. لأ.. هيخافوا على امتيازاتهم فيها.. فهيبقوا إيد النظام ورجله.. إن نادي عليهم في انتخابات مزوّرة احتشدوا، وإن طالب منهم الدفاع عن النظام، ستجدهم يتهافتوا بحكم ما يجيدونه من لغات، لتزييف كل حقيقة واقعة في أي محفل حقيقي أو افتراضي، وبحكم تشبيكهم مع الإعلام المرئي، اللي كوادره الكبيرة منهم، هتلاقي صوتهم مسموع دائمًا.. التحالف العسكري مع الشبكات الاجتماعية الزبائنية اترسم بدقة خلال السنوات السبع الفائتة من عمر حكم الجنرال.. لكن دلوقتي لازم يكبر، ويتوسّع لضم مستفيدين جدد".

وتابع :"جهاز المخابرات العامة راح في 2018 لوزارة الشباب والرياضة وقالهم عايزين نعمل شركة جديدة ما بيننا..نسميها ‘‘استادات‘‘..والشركة الجديدة مش هتعمل حاجة غير أنها تستولي علي الإستادات القديمة، التي تخدم أبناء المحافظة، وهتحوّلها لنوادي اجتماعية، مش هتحط رجلك فيها، إلا بعد دفع اشتراك يتجاوز 50 ألف جنيه".

ويضيف فايد :"من المُخاطب بهكذا قرار؟ أثرياء المحافظات..طبقة جديدة نفسها تبقي شبه نظيرتها في القاهرة..ولادهم في مدارس خاصة، مش انترناشونال للأسف، لكن بيتكلموا إنجليزي لا بأس به..وأغلبهم مهنيين وراكموا قدر من الثروة، وعايزين يصرفوه في أنشطة استهلاكية وترفيهية، توضّح مكانتهم الطبقية الجديدة المجتمع المحلي، لكن للأسف مرة أخري، فإن نطاق التوسع الحضاري في المحافظة، لا يستوعب طموحات الترقي…لا يوجد كايرو فيستفال، ولا نوادي الجزيرة والصيد..وفي النهاية رغم مصادر الثروة، تجدهم يتقاسموا نفس أماكن الترفيه مع العوام".

وتابع: "نظام الجنرال السيسي هو من ذهب إليهم.. هيوفّر لهم مسالك لاستعراض التمايز الطبقي.. النوادي الاجتماعية.. ادفع 50 ألف، واستمتع بنادي اجتماعي، فيه ملاعب لأولادك، وفوود كورت لطيفة تأكل فيها ستيك وجمبري، وكام محل براندات، تشتري منهم لبسك، وهنعملك زي النوادي القاهرية فروع للمكاتب الحكومية، زي الشهر العقاري مثلًا، عشان تحس أنك مميز وبتخلص ورقك من غير طوابير الغوغاء.. وبذلك يمد الجنرال حاجز تحالفاته الاجتماعية خطوة أكبر للأمام بدمج أثرياء الأقاليم في شبكاته الزبائنية".

مين يدفع التكلفة؟

ويوضح "فايد" أن الفقير هو الذي سيتحمل جميع هذه التكلفة، ويقول: "تخيّل أن شركة المخابرات العامة استولت على أصول ملك للدولة، موّل دافع الضرائب المصري إنشاءها منذ عقود، عشان تُعيد تخصيصها للأغنياء فقط.. تخيّل أن الشركة تأخذ آخر الأماكن المخصصة للفقراء والمهمشين لممارسة الرياضة، وتحوّلها لنوادٍ اجتماعية خاصة تستوعب فوائض مدخرات الأثرياء.. وتخيّل كم شاب وشابة فقراء سيحرموا من فرص ممارسة الرياضة والترفيه الشحيحة أصلًا، مقابل أن يستمتع أحدهم بأكل السكالوب بانيه.. سرقة بالإكراه في وضح النهار، والفاعل جهاز يُفترض أن تكون مهامه الأساسية جمع المعلومات وحماية الأمن الداخلي، فتحوّل إلي معول إضافي لتهديد الأمن الاجتماعي الهش".

موضحا أن: "الفقير لا موقع له في التحالفات العسكرية-الزبائنية.. الجنرال سحقه بالتعويم، الفقير ازداد عوزًا والذي كان متمسكًا بآخر أهداب الطبقة المتوسطة، جُرّ لشريحة من تجوز عليهم الصدقات.. لكن الجنرال استمر في خداعه وتبشيره أن ‘‘بكره هتشوفوا معايا العجب‘‘، فلقي أن العجب تذكرة مترو بـ7 أضعاف ثمنها، وفاتورة كهرباء وأنبوبة بوتاجاز تقطم وسطه المتهالك، وشبكة قطارات هي وسيلته الأساسية للتنقل، بيموت فيها محروق أو مُداس تحت العجلات، وحذف من البطاقات التموينية..وياريت الجنرال ترك له مكان ترفيه.. يعني هو لا يمتلك سوي شارع ينصب فيها طوبتين ويلعب عليهم كرة قدم، أو نوادي المحافظة يروح يتمرّن فيها، جايز يبقي له نصيب في محمد صلاح أو محمد إيهاب..تروح أنت تستكتر عليه خدمة شبه مجانية، وتحوّلها إلي شركة مخابراتية خاصة لخدمة الأثرياء".

Facebook Comments