“بأي حال عدت يا عيد؟”.. هكذا يتساءل عمال مصر سنويًّا في ذكرى عيدهم، وكأنهم يتحسّرون على حقوق اكتسبوها بعد ثورة يناير ثم أضاعها الانقلاب العسكري الذي أمعن في تشريدهم، وصولًا إلى منعهم من الاحتجاج دفاعًا عن حقوقهم المهدرة.

وبين وعود وهمية لسلطات الانقلاب وحقوق ضائعة، يعاني آلاف العمال قمعًا متواصلًا وتدنيًا في رواتبهم وإغلاقًا لآلاف المصانع، حتى ارتفع عدد العاطلين عن العمل إلى نحو 2 مليون و900 ألف عاطل، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

الحقوق الضائعة شملت القطاعين الحكومي والخاص، حيث واجه العمال مشكلات متفاقمة على مدار العام الماضي، بينها التهديد بالفصل التعسفي، وهو ما أدى إلى إدراج منظمة العمل الدولية لمصر في القائمة السوداء للدول التي تنتهك حقوق العمال، واحتلت المرتبة 120 في استقرار بيئة الأعمال من بين 190 دولة حول العالم، وهو ما ظهر جليًّا في كلمة قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي في عيد العمال، بحسب تقرير لقناة “وطن”.

الأمر لم يتوقف عن هذا الحد، بل انعكس على تدهور العديد من قطاعات الإنتاج سلبًا، حيث بلغ عدد المصانع المغلقة نحو 7 آلاف، خلّفت نحو 300 ألف عاطل وفقًا لتقارير اتحاد الصناعات، الذي أوضح أن كثيرًا من أصحاب المصانع أعلنوا عن إفلاسهم بسبب تفاقم الديون، في الوقت الذي تؤكد فيه حكومة الانقلاب سعيها إلى جذب استثمارات عبر تعديل التشريعات وتقديم تسهيلات لرجال الأعمال.

ومنذ انقلاب 3 يوليو عام 2013، عمل العسكر على استخدام سياسة الترهيب ضد جميع قطاعات المجتمع، حتى وصل السخط العام إلى ذروته بإجبار العمال على التوجه إلى صناديق الاقتراع في الاستفتاء على التعديلات الدستورية المزعومة، وتهديدهم بالفصل تارة وبالغرامات تارة أخرى في حال امتناعهم عن التصويت، الأمر الذي زعم فيه السيسي أن مصر عبرت مرحلة صعبة بعد موافقة المواطنين على تلك التعديلات الدستورية التي تمكنه من الاستيلاء على السلطة حتى العام 2030.

ورغم القمع الأمني فقد شهدت الـ12 شهرا الماضية 189 احتجاجًا متنوعًا، حتى بات المجتمع العمالي يعاني من كبت التعبير عن الرأي أو الاضطراب بمختلف أشكاله، بعد أن قيده قانون العمل الجديد الذي أقره برلمان السيسي، فضلا عن الاحتجاجات التي باتت تتم على الورق في صورة عرائض وشكاوى خوفًا من بطش النظام، وهناك أيضًا عمال يقبعون في السجون بذرائع واهية من قبل سلطات الانقلاب، حتى وصل عددهم إلى 9 آلاف و500 عامل، حسب تقرير لمركز الشهاب لحقوق الإنسان.

ورغم إعلان السيسي رفع الحد الأدنى لأجور جميع العاملين في الدولة إلى 2000 جنيه، يرى مراقبون أن هذه الزيادة لن تنعكس إيجابًا على العمال بسبب موجة غلاء مرتقبة، مع كشف حكومة الانقلاب عن رفع جديد لأسعار الوقود والكهرباء وزيادة الضرائب.

الأول من مايو من كل عام.. يوم تحتفل فيه الدولة بعمالها وتقدم مؤسساتها إليهم العديد من الحوافز والمميزات، أما في مصر فتمعن سلطات الانقلاب في اضطهاد العمال وتحرمهم من أبسط حقوقهم، وأقلها الحق في الإضراب.

بدوره وثق مركز الشهاب لحقوق الإنسان، فصل ما يزيد على 3 آلاف عامل، خلال الـ12 شهرا الماضية.

واستنكر المركز، في تقرير له بعنوان “عمال بلا حقوق”، قمع الحريات داخل المجتمع العمالي، مؤكدا عدم تمكن العمال من الاعتراض؛ لأن مصيرهم سيكون الفصل تعسفيًّا.

وانتقد التقرير استبعاد الآلاف من النقابيين من الانتخابات العمالية التي أجريت في مايو الماضي بأوامر من جهاز الأمن الوطني، التي أسفرت عن استمرار نفس الوجوه القديمة التي لا تعد المعبر الأنسب عن الطبقة العاملة.

وقال خلف بيومي، مدير المركز، في مداخلة هاتفية لقناة “وطن”: إن الحق في العمل أحد الحقوق المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والاقتصادية، والتي تمثل حقًّا من الحقوق المهضومة في مصر بصورة واضحة.

وأضاف بيومي أن حال العمال في مصر لا يختلف عن حال كافة الفئات الأخرى، مثل الإعلاميين والمحامين والأطباء وأعضاء هيئة التدريس، فكل الفئات استُهدفت من النظام، ونال العمال النصيب الأوفر من الانتهاكات، بداية من ارتفاع معدل البطالة وإغلاق المصانع، فضلًا عن اعتقال عدد كبير من العمال.

وأوضح بيومي أن سلطات الانقلاب اعتقلت، منذ 3 يوليو 2013 حتى الآن، أكثر من 9 آلاف عامل، بالإضافة إلى تشريد نحو 4 آلاف عامل، وارتفاع عدد العاطلين عن العمل إلى 2.49 مليون شخص، مؤكدا أن الأرقام الواردة في التقرير موثقة بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

وأشار إلى أن أسباب الفصل التعسفي تنوعت بين أسباب سياسية، وهذه شملت العدد الأكبر من المناهضين للانقلاب، وهؤلاء كانوا قادة وأعضاء في مجالس نقابات عمالية لفترات طويلة مثل مصطفى محمد وصلاح نعمان، وحتى بعد صور أحكام بعودتهم إلى مناصبهم لم تستجب حكومة الانقلاب، وأيضا تم فصل عدد كبير بسبب اتجاه حكومة الانقلاب لرفع الدعم، وهي الظاهرة التي اكتوى بها عدد كبير من المصريين منذ 3 يوليو.

Facebook Comments