عادت قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، الذي عُثر على جثته وعليها آثار تعذيب في القاهرة في مايو 2016، لتُفتح من جديد وتلاحق مجددًا نظام المنقلب عبد الفتاح السيسي. فروما وجدت نفسها مضطرة بعد فترة طويلة من المماطلة من قبل القاهرة، فيما يتعلق بالتحقيقات إلى اتخاذ إجراءات تمثّلت بقرار مجلس النواب الإيطالي قطع كل العلاقات الدبلوماسية مع نظيره المصري، حتى تحدث انفراجة ومحاكمة في قضية ريجيني.

وفتحت الصحافة الإيطالية من جديد الحديث عن مقتل الباحث الشاب جوليو ريجيني، والذى وجد مقتولاً فى أحد شوارع القاهرة قبل 4 أعوام، من خلال الصحفيين الاستقصائيين كارلو بونينو وجوليانو فوسكينو، اللذين ذهبا إلى العاصمة الكينية نيروبي، ونشرا تقريرًا تحت عنوان “جواسيس وأسرار.. في كينيا مفتاح حقيقة جريمة مقتل جوليو ريجيني”، وقالا إن أحد الشهود على مقتل الباحث الإيطالي موجود في كينيا.

وأضافا أن الشاهد الذي استمع لرواية أحد مرتكبي الجريمة هو أحد الضباط في جهاز الشرطة الكينية، لكن الأمر الذي يعيق تعاونه مع المدعين العامين الإيطاليين هو العلاقات الوثيقة جدًّا بين نيروبي والقاهرة.

من هو ريجيني؟

طالب إيطالي يبلغ من العمر 28 عاما، قدم في سبتمبر 2015 إلى مصر لجمع معلومات تتعلق ببحثه لنيل شهادة الدكتوراه من جامعة كامبردج البريطانية حول “دور النقابات العمالية المستقلة بعد ثورة 25 يناير 2011”. بدأ يُجري مقابلات مع نشطاء عمّاليين مصريين ومستقلين وشخصيات قريبة من المعارضة.

وأثناء وجوده هناك، كان ريجيني يكتب مقالات من وقت لآخر لدى “مانيفستو” الإيطالية اليسارية. وقد أفادت الصحيفة بأنه أصر على استخدام اسم مستعار في نشر مقالاته، مما يعد إشارة إلى أنه كانت لديه مخاوف على سلامته في القاهرة.

ويقول التقرير، إن المفتاح القادر على فتح بوابة القلعة التي يتحصن داخلها النظام فى مصر وكبار الضباط في جهاز الأمن الوطني من المتورطين في اختطاف وتعذيب وقتل ريجيني موجود على بعد 5200 كيلومتر جنوب العاصمة المصرية القاهرة، وتحديدًا في العاصمة الكينية نيروبي شرق إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

فهنا تحديدا يوجد أحد ضباط الشرطة الكينية الذي أشار إلى سماعه مباشرة من الرائد في جهاز الأمن الوطني المصري (جهاز أمن الدولة سابقا) مجدي إبراهيم عبد العال شريف، قصة اختطاف وتعذيب وقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في مصر.

تطلعات إيطالية

وكشفت مصادر قضائية مصرية مطلعة على ملف التحقيقات في قضية مقتل الطالب الإيطالي جوليو ريجيني، عن أن السفارة الإيطالية بالقاهرة قدّمت منذ أيام طلبا للنيابة العامة للاطلاع على مستجدات التحقيق في القضية، وما تم فيها خلال الأشهر الثمانية الماضية، التي سيطر عليها جمود في التعاون الثنائي القضائي بين البلدين في هذه القضية، نتيجة عدم سماح السلطات المصرية باستجواب أي من الضباط المشتبه فيهم في إيطاليا، وامتناعها عن تقديم أي إفادات عما إذا كانت قد أجرت بعض التحقيقات معهم من عدمه. وتأتي هذه الخطوة بعد أسابيع من إعلان رئيس الوزراء الإيطالي جيوسيبي كونتي في اجتماع السفراء الدوري في روما، أنه لن يكف عن مطالبة مصر بتوضيح الحقيقة بالطرق السياسية.

وتضيف الصحيفة أن الضابط المصري- الذي يعتبر عنصرًا مفصليًّا في كافة المراحل التحضيرية لارتكاب الجريمة- هو من أجرى على وجه التحديد التحقيقات الأولية التي كانت من المفترض أن تثبت أن ريجيني كان جاسوسا يعمل لصالح البريطانيين، ولهذا السبب فإن عبد العال شريف يخضع حاليا للتحقيق الذي تجريه النيابة العامة في روما مع أربعة آخرين من كبار ضباط جهاز الأمن الوطني المصري بتهمة الاختطاف.

وأوضحت الصحيفة أنه في فصل الصيف الماضي كان المدعي العام الإيطالي، سيرجو كولايوكو، قد ذهب إلى نيروبي واستمع لشهادة الشرطي الكيني، ثم أرسل مذكرة قضائية إلى السلطات المعنية هناك للتحقق من ملابسات ووقائع تلك الشهادة ومن موثوقية الشاهد نفسه.

ولفتت الصحيفة إلى أن النيابة في روما لم تكشف عن هوية الشاهد للسلطات الكينية ولا حتى فحوى محضر الشهادة التي جمعتها منه، لأسباب تتعلق بسلامته وعدم كشف هويته من قبل جهاز الأمن الوطني المصري.

وسردت الصحيفة الإيطالية تفاصيل رواية الشاهد الكيني، حيث قال إنه في أغسطس 2017 تم تنظيم اجتماع أمني في نيروبي لممثلين عن أجهزة الاستخبارات الإفريقية الملتزمة بمكافحتها للأنشطة الإرهابية، وكان اختيار مكان عقد ذلك الاجتماع ليس عرضيًا على الإطلاق، خاصة أن كينيا وإثيوبيا كانتا تعتبران بؤرة للحرب التي فتحها تنظيم الشباب في القرن الإفريقي الذي يعد بدوره البوابة الشرقية للقارة، ولا سيما أنه خلال الفترة الواقعة بين عامي 2013 و2017 تكبدت كينيا نحو 373 هجومًا إرهابيًّا أسفرت عن مصرع نحو 929 شخصا، وإصابة 1149 آخرين، فضلا عن اختطاف نحو 666 شخصا.

اعتراف الرائد شريف

وتابع الشاهد الكيني وفق الاستقصاء الإيطالي، أنه في ذلك الاجتماع كان الضابط الذي اختاره جهاز الأمن الوطني المصري للمشاركة في الاجتماع هو الشاب مجدي عبد العال شريف (35 عاما) الذي تم توثيق أوراق اعتماده ببطاقة الهوية رقم 505.

ويبدو أن الرائد المصري كان لديه ميول للدردشة، حيث كان يتحدث بافتخار عن الأساليب التي تتبعها المخابرات المصرية مع المشتبه بهم في الضلوع بالخلايا التجسسية والإرهابية.

وأضاف الشاهد الكيني أنه على مائدة العشاء- الذي أقيم في أحد الفنادق الكبرى في نيروبي- استمعت بوضوح لرواية الرائد المصري بخصوص مشاركته في مطاردة الطالب الإيطالي جوليو ريجيني واختطافه مساء يوم 25 يناير/كانون الثاني 2016، بينما كان ريجيني سائرا على الأقدام ومتجها نحو مترو الأنفاق في حي الدقي الذي كان يعيش فيه للتوجه إلى موعد غير بعيد عن ميدان التحرير.

وتابع الشاهد أن شريف كان قد كشف في تلك المناسبة عن أكثر من ذلك، حيث قال إن ريجيني كان يخضع منذ أشهر لرقابة جهاز الأمن الوطني المصري، وإن قرار توقيفه واختطافه قد اتخذ في مساء ذلك اليوم نفسه، لأن جهاز الاستخبارات المصرية كان على قناعة بأن ريجيني كان على وشك مقابلة أحد المشبوهين.

ولفتت صحيفة لاريبوبليكا الإيطالية إلى أن الاعتراف الذي أدلى به الرائد شريف يتناسب مع التوتر الذي أثاره في روما ونيروبي والقاهرة، فالعلاقات المصرية الكينية تعتبر فولاذية بسبب الصداقة القديمة بين البلدين، خاصة أن الروابط الاقتصادية تجعل مصر محورا حيويا لطرق استيراد المواد الغذائية اللازمة لتلبية احتياجات كينيا الغذائية.

فى حين نقلت وكالة “إينسا” الإيطالية عن مصادر قضائية رسمية، أن ممثلي الادعاء في روما يعتزمون التحقيق مع سبعة من رجال الأمن المصري في أزمة الطالب ريجيني، أعلى رتبة فيهم رائد، هو مجدي شريف، ثم النقيب عثمان حلمي.

Facebook Comments