وسط حضور إقليمي ودولي، وقعت قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري في السودان على اتفاق إدارة المرحلة الانتقالية، وقد دعا رئيس المجلس العسكري السودانيين إلى تجاوز مرارات الماضي والنظر إلى المستقبل، فيما أكد ممثل قوى الحرية والتغيير أن التعايش ورفع قيمة الوطن هي أهم أهداف المرحلة المقبلة.

فما هي أهم العوامل التي مكنت السودانيين من عبور تحديات المرحلة السابقة والتوصل إلى اتفاق بشأن إدارة المرحلة الانتقالية؟ وما مدى قدرة الاتفاق على الصمود خلال الفترة الانتقالية وسط التحديات الداخلية والإقليمية التي تواجهها التجربة السودانية؟

إيذانًا بافتتاح مرحلة انتقالية تستمر 3 سنوات و3 أشهر وقعت قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي في السودان على وثائق إدارة المرحلة الانتقالية، بحضور إقليمي شمل عددًا من الزعماء ورؤساء الحكومات وممثلي الهيئات والمنظمات الدولية.

وحسب تقرير بثته قناة "الجزيرة"، فإن الاتفاق الذي تمّ بوساطة إفريقية إثيوبية مشتركة وصفه الوسيط الإفريقي بأنه درس جديد تقدمه إفريقيا بشأن كيفية تجاوز أزماتها والتغلب عليها.

ينتج السودانيون نموذجهم، فإذا هو مختلف عن ثورة عربية غدرت، سفك فيها دم غزير، وانتكست ببعض الشعوب إلى ما قبل الدولة، هنا يوقعون ويكرّسون نموذجهم الصعب في الثورة كما في مآلاتها سلمية وإن جوبهت بالرصاص، توافقية وإن سعى البعض إلى حسمها بالدم لصالحه؛ لينتهي الأمر بالجميع إلى اتفاق دون غالب أو مغلوب.

فالثورة انتصرت، والعسكر إلى ثكناته، ولكن وفق مسار انتقالي يعنى بأدق التفاصيل كي لا ينقض هذا الطرف على ذاك، وما كان ذلك ليحدث لولا وساطة ماراثونية إفريقية، بل أهم من ذلك الدم الذي بُذل سخيًّا فس شوارع الخرطوم وشقيقاتها.

الاتفاق بحسب الوصف تاريخي، وهو تعبير عن إرادة الشعب وأشواقه في حكم مدني طال انتظاره كثيرًا، وينص على تشكيل مجلس سيادي يوم الأحد، على أن يعين الأخير رئيسا للوزراء يوم الثلاثاء لقيادة مرحلة انتقالية، تستمر أزيد من 3 سنوات، وتكون رئاسة الوزراء خلالها الكلمة الفصل في إدارة شؤون البلاد، بينما يكتفي العسكر بممثليهم في المجلس الانتقالي الذي يقول البعض إنه يحفظ ماء الوجه للجميع ويشكل غطاء لعودتهم إلى أدوارهم الحقيقية وأحجامهم التي تضخمت خلال الفترة الماضية، حتى ظن البعض أنها ستلتهم أدوار بقية مكونات المجتمع السوداني.

على أن ما هو تاريخي كان نتيجة ما هو يومي؛ حيث أزمة حكم البشير تبلغ منتهاها بزيادة فلكية لأسعار الخبز والوقود، واختفاء النقد المحلي والأجنبي من البنوك، فكان 19 من ديسمبر العام الماضي استثنائيًّا في تاريخ البلاد منذ حكمها البشير في عام 1989.

مظاهرات في عطبرة بولاية نهر النيل والدمازين في القضارف وبورتسودان قبل أن تصل إلى الخرطوم، يُسفك دم ويشتعل غضب ينتهي بالجيش لاقتلاع الرئيس عمر البشير بعد 30 عاما من الحكم.

وبضغط الشارع ويستبدل من جاء بعد الرجل بمجلس عسكري ليتأخر وعد تسليم السلطة قادة التغيير فتشتعل شوارع الخرطوم بالمظاهرات، وتأتيها الوفود والمتظاهرون من مدن السودان البعيدة، ويتواصل الاعتصام أمام مقر القيادة العامة للجيش في العاصمة، فهم يريدونها مدنية لا تغيير وجوه فحسب.

أي أن يسلم الجيش السلطة التي اؤتمن عليها لمن يستحقها، وفي 3 يونيو كانت المجزرة والتي راح ضحيتها نحو 127 شخصا في مجزرة من أسوأ المجازر في تاريخ البلاد لكن ذلك لم يمنع المتظاهرين من العودة وتأكيد المبدأ نفسه وهو أن لا عودة إلى البيوت قبل تحقيق المطلب الأكبر ألا وهو تسليم الحكم للمدنيين مهما كان الثمن.

تتدخل الوسطاء الأفارقة وتبدأ مفاوضات شاقة ووعرة كادت تنهار أكثر من مرة إلى أن توصل الطرفان وهما قوى الحري والتغيير والمجلس العسكري في 17 يوليو إلى اتفاق سياسي لإدارة المرحلة الانتقالية؛ ليتم التوقيع بالأحرف الأولى في 17 من الشهر الماضي على الوثيقة الدستورية، فقد حسم الأمر للمدنيين وبشروطهم في تشكيل هياكل إدارة المرحلة الانتقالية.

ذاك ما سعى المتظاهرون من شباب السودان ورجاله ونسائه، وما استقبلت صدورهم رصاصًا من أجله لمدن البلاد النائية كما في العاصمة الخرطوم.

 

     

        

Facebook Comments