توالت ردود الفعل على الهجمات التي استهدفت منشأتين نفطيتين تابعتين لشركة أرامكو شرقي السعودية، ففي الوقت الذي قالت فيه "واشنطن بوست" إن البيت الأبيض يدرس ردًّا قد يكون عسكريًّا عليها، أكدت طهران أن اتهامات واشنطن لها بالضلوع في الهجوم واهية، وأن إيران مستعدة لكل الاحتمالات.

فكيف بدأ تعاطي الأطراف المعنية مع هجوم أرامكو وما أعقبه من تداعيات وصدر بشأنه من مواقف؟ وإلى أين بتلك الأطراف بمواقفها المعلنة أن تذهب بما يترتب على الهجوم ضمن التعقيدات التي تكتنف العلاقة بينها في أكثر من ملف؟.

أمريكا تدخل على الخط

وبحسب تقرير بثته قناة "الجزيرة"، لم تبقَ الهجمات على منشأتي أرامكو شأنًا سعوديًّا حوثيًّا، فمع اتهام تحالف الرياض أبو ظبي بأن طائرات إيرانية مسيرة هي من قامت به، اتخذت تلك الهجمات أبعادا أوسع وأخطر، وتردد صداها بقوة في أروقة البيت الأبيض، الذي قالت وسائل إعلام أمريكية إنه يدرس خيارات الرد عليها دون أن تستبعد أن يكون عسكريًّا.

اتهامات رفضتها طهران، مؤكدة أنها على أهبة الاستعداد لمواجهة كل التطورات في تصعيد طرح السؤال عن المستثمرين في هجمات قد تتسع نيرانها إلى أوسع من الأهداف التي تهاطلت عليها الطائرات المسيرة .

لكل ضربة عسكرية حسابات وارتدادات سياسية منظورة من المشهد، من زاوية حوثية يبدو ضرب منشأتي بقيق وخريص النفطيتين بشرقي السعودية نصرًا للجماعة مبهرًا.

يقول الحوثيون ذلك في مباهاة لتبنيهم الهجوم الأحدث والأوسع على منشآت عملاق النفط أرامكو، ولا يخلو استعراضهم من تفاصيل عملية سلاحهم الجوي المسير من دلالة، فكأنما هي رسالة فحواها من جهة التفوق وبداية تغيير معادلة المواجهة داخل اليمن، وكذا تعاظم القدرة على إلحاق الأذى بالسعودية على أرضها متى وكيف ما شاءوا.

اتساع مدى الضربات

بل إن مدى الضربات في اتساع متزايد داخل العمق السعودي سواء بالصواريخ أو بالطائرات المسيرة، أما السبيل لتوقف الهجمات في فهم الحوثيين فمراجعة السعودية حساباتها ووقف انخراطها في حرب اليمن، وإلا تكرر على الأرجح استهداف عصب الاقتصاد السعودي الذي تقع معامله لمعالجة النفط في مرمى نيران الحوثيين.

ومقابل هذا الاستثمار الحوثي السياسي منه والدعائي في واقعتي بقيق وخريص، يجد الأمريكيون فيما حدث فرصة سانحة لمحاولة إحكام الطوق على إيران، قد يفتح هذا الباب فيما يرى محللون أمام ضغوط من نوع آخر بعد إخفاق العقوبات الاقتصادية القاسية في دفع الإيرانيين إلى إبرام اتفاق نووي جديد بشروط أمريكية، فهل تندرج ضمن تلك الاستراتيجية مسارعة وزير الخارجية الأمريكي إلى اتهام إيران بالمسئولية عن الهجمات الأخيرة على منشآت أرامكو؟ .

أيا كان القصد، فإن السلطات الإيرانية تنفي نفيا قاطعا أي صلة لها بتلك الهجمات، وتعد الاتهام الأمريكي واهيا، ويأتي في إطار ما تسميها سياسة الافتراء والأكاذيب الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية .

تحريض خليجي

لا يبدو الرئيس الأمريكي مكترثا بذلك النفي؛ فالولايات المتحدة- بحسب دونالد ترامب- مستعدة للرد على الهجوم الذي استهدف البنية التحتية النفطية للسعودية إذا حدد لها السعوديون الفاعل، لكن ترامب لا يفعل أكثر من ذلك، وليست الكلمات هي ما ترجوه أطراف في الإقليم لا تكفُّ عن حض واشنطن على خوض مواجهة عسكرية مع طهران.

الرياض من هؤلاء وبوسعها الآن الاستثمار في الهجمات التي عطّلت نصف إنتاجها النفطي وألهبت أسعار الذهب الأسود، فذلك مما يهدد أمن الطاقة العالمية وتلك لغة يفهمها الأمريكيون، تفكر إدارة ترامب من الآن في احتمال السحب من مخزون النفط الاستراتيجي لتعويض إمدادات النفط إلى الأسواق إذا دعت الضرورة، فماذا عن خيارات الرد؟

استبعاد الرد العسكري

نقرأ في صحيفة واشنطن بوست بأن الإدارة الأمريكية تفكر فعلا في رد عسكري جدي على هجمات أرامكو في السعودية، إنه سيناريو تعارضه أصوات عدة في البنتاجون والكونجرس على حد سواء.

السيناتور الديمقراطي كنيث ميرفي يُذكّر الرئيس بأنه ليس لدى بلاده حلف دفاعي مشترك مع السعودية، ويذكره السيناتور بيرني ساندرز من جانبه بأن دستور البلاد ينص بشكل واضح على أن الكونجرس وحده هو من يملك سلطة إعلان الحرب وليس الرئيس، ولن يفعلها أعضاؤه. يضيف ساندرز لمجرد أن ما وصفه بالنظام الوحشي الديكتاتوري السعودي طلب منه ذلك، لكن من قال إن ترامب ذاهب نحو المواجهة العسكرية مع أي أحد كان؟ قد يلّوح بهذا الخيار، يستدرك عارفون بسياساته، لكن ليس لخوض الحرب نيابة عن أي حليف، وإنما هو في رأيهم إيذان ببدء حلقة جديدة من المسلسل الطويل الشهير المال مقابل الحماية.

 

Facebook Comments