“إذا كان الخبز ليس في متناول أيديكم، فلماذا لا تأكلون البسكويت؟!”.. بهذه الكلمات المتعجرفة  التي خاطبت بها ماري أنطوانيت، زوجة لويس السادس عشر، الفقراء الفرنسيين الذين تجمّعوا للاحتجاج على غلاء الخبز. لم تعرف ماري أن كلماتها هذه ستكون نقطة النهاية للملكية في فرنسا، وأنها بيدها فتحت الباب على مصراعيه أمام الثورة الفرنسية، وانتهى بها الأمر وزوجها مُعلقين على المقصلة في ميدان الكونكورد.

هكذا كان الرغيف الوقود الأقوى للتغيير، ففي 17 يناير 1977م في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي حكم البلاد عشر سنوات (1971 حتى 1981م)، ثار الشعب المصري ضد السادات؛ احتجاجًا على رفع أسعار سلع أساسية مثل الخبز والشاي والأرز والسكر واللحوم والمنسوجات، وغيرها من السلع الضرورية بنسبة تصل إلى الضعف؛ فيما سمى وقتها بانتفاضة الخبز التي أطلق عليها السادات “انتفاضة الحرامية”!.

تفاصيل الأحداث تعود إلى بدء نظام الرئيس السادات وضع خطط لإعادة هيكلة الاقتصاد تحت إشراف البنك الدولي، كما يفعل جنرال الانقلاب حاليا عبد الفتاح السيسي مع صندوق النقد الدولي، وذلك بهدف تحول الاقتصاد إلى نظام السوق الرأسمالي مع إلغاء مظلة الدعم والحماية الاجتماعية لملايين الفقراء والمهمشين؛ من خلال منح الأولوية للزراعة على الصناعة، والقطاع الخاص على العام، وتفضيل النشاط التجاري والتوكيلات على النظام الصناعي الإنتاجي، وتغليب قوى السوق عوضًا عن التخطيط من أجل سحب كفالة الدولة للفقراء.

أيضا، تعديل قوانين الاستثمار لصالح رأس المال الأجنبي، وتعديل قوانين الصادرات والواردات لفتح السوق أمام المنتجات الأجنبية، والسماح للبنوك الأجنبية بحرية النشاط في مصر، وترشيد الإنفاق العام، وخاصة المبلغ الموجه لدعم السلع الغذائية والاستعاضة بمنح علاوة اجتماعية للعاملين في الدولة، وتعويم الجنيه من خلال توحيد سعر الصرف.

النظام الجديد وضعه البنك الدولي، وأدى التطبيق القسري إلى ارتفاعات حادة في الأسعار مع تحولات اجتماعية طالت الطبقة الوسطى بمختلف شرائحها، ما أحدث احتقانا متزايدا، وصل إلى ذروته بقرارات رفع أسعار سلع أساسية مثل الخبز والشاي والأرز والسكر واللحوم والمنسوجات، وغيرها من السلع الضرورية بنسبة تصل إلى الضعف، حيث كانت القرارات برفع الدعم وزيادة أسعار الغاز بنسبة 45، والخبز بنسبة 50، والسجائر بنسبة 8، والسكر والأرز بنسبة 25.

وقتها، أعلنت الصحف الحكومية عن إلغاء الدعم فضلًا عن خطاب نائب رئيس الوزراء للشئون المالية والاقتصادية وقتها، عبد المنعم القيسوني، أمام مجلس الشعب، أعلن فيه عن إجراءات تقشفية لتخفيض العجز، وربط هذا بضرورة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لتدبير الموارد المالية الإضافية اللازمة.

ارتفعت أسعار السلع الأساسية على الفور من خبز وسكر وشاى وأرز وزيت وبنزين و25 سلعة أخرى من السلع المهمة في حياة المواطن البسيط. وارتفع سعر الخبز بنسبة 50%، والسكر 25%، والشاي 35%، وكذلك بعض السلع الأخرى ومنها الأرز وزيت الطهي والبنزين والسجائر.

الشعب ينتفض

في اليوم التالي 18 يناير، نزلت الجماهير الغفيرة إلى الشوارع احتجاجًا على الغلاء؛ وهتفت الجماهير: “يا ساكنين القصور الفقرا عايشين في قبور.. يا حاكمنا في عابدين فين الحق وفين الدين.. سيد مرعى يا سيد بيه كيلو اللحمة بقى بجنيه.. عبد الناصر ياما قال خللوا بالكم م العمال.. هو بيلبس آخر موضة واحنا بنسكن عشرة في أوضة. بالطول بالعرض حنجيب ممدوح الأرض.. لا إله إلا الله السادات عدو الله”. هتافات على هذا النحو كانت تدوي بشوارع المحروسة منذ 41 عامًا في مثل هذا اليوم، حينما خرج الشعب فيما عرف بـ”انتفاضة الخبز”، أيام 18 و19 يناير 1977، بعدة مدن عقب الإعلان عن سياسات تقشفية ورفع أسعار عدة سلع أساسية بينها “الخبز”.

إلا أن نظام الرئيس الراحل محمد أنور السادات وأركان السلطة، ومعظهم كانوا من خلفيات عسكرية، رأوا في تلك الانتفاضة الشعبية انقلابًا عليها ووصفها الإعلام الحكومي بأنه  مخطط شيوعي لإحداث بلبلة واضطرابات في مصر وقلب نظام الحكم، وألقي القبض على عدد كبير من النشطاء السياسيين، قبل أن تصدر المحكمة حكمها بتبرئتهم.

بدأت الانتفاضة بخروج العمال ثم الطلاب، وسرعان ما انضمت أطياف مختلفة من الشعب، رافعين جميعًا شعارا واحدا برفض تلك السياسات التقشفية، إلا أن أصواتهم لم تجد صدى لدى النظام الذي كان يترأسه حينها الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

الشعب يحرق استراحات السادات

في يوم 19 يناير، حدثت مظاهر عنف منها حرق أقسام الشرطة وأبنية الخدمات العامة، واستراحات الرئاسة بطول مصر من أسوان حتى مرسى مطروح، واستمرت المظاهرات حتى وقت متأخر من الليل، مع عنف شديد من قوات الأمن، حيث  ألقي القبض على مئات المتظاهرين وعشرات النشطاء اليساريين. وعرف الشعب هذا اليوم بـ”انتفاضة الخبز”، فيما أطلق عليه الرئيس السادات “انتفاضة الحرامية”. وانتهى الأمر بتراجع السادات عن قراره بزيادة الأسعار، أما من ألقي القبض عليهم برأتهم المحكمة في نهاية المطاف.

انتصار الشعب على السادات يجعلنا أكثر تفاؤلا في ذكرى ثورة 25 يناير، بأن الشعب الذي ثار ضد الإنجليز في 1919، وضد العسكر في الموجة الأولى 2011، لن يترك حقه في الحرية والاستقلال والإطاحة بعملاء القوى الدولية الإمبريالية، واستعادة مكاسب ثورة 25 يناير  مهما طال الزمن ومهما كانت العقبات.

 

Facebook Comments