تصاعدت أعداد المصريين الذين يدفعهم حكم العسكر وقمع الحريات والكبت وتدهور الأوضاع الاقتصادية إلى الانتحار للفرار من بلد يحكمه نظام عسكري متسلط ومجرم، وفي المقابل يتجاهل قائد الانقلاب الدموي عبد الفتاح السيسي ظاهرة الانتحار وتلفق أجهزته تقارير عن هذه الحالات وتزعم أن أغلب الحالات وراءها أسباب نفسية.

كان طالب بكلية الهندسة في جامعة حلوان قد انتحر قبل يومين بإلقاء نفسه من أعلى برج القاهرة وزعمت التحريات الأولية أن الطالب يعاني من حالة نفسية سيئة، وأبلغ صديقه قبل أيام بنيته في الانتحار.

يشار إلى أن معدلات الانتحار ارتفعت في عهد العسكر إلى معدلات غير مسبوقة، ورصدت “التنسيقية المصرية للحقوق والحريات” تزايدًا ملحوظًا في عدد حالات الانتحار خاصة بين الشباب وذلك عبر تسجيلها أكثر من 150 حالة خلال الأشهر الثمانية الماضية من العام الجاري.

وتحتل مصر المرتبة 96 عالميا من حيث حالات الانتحار بين صفوف الشباب؛ حيث يتجاوز عدد المنتحرين سنويا 4250 منتحرا، وفق دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية عام 2017.

كما يعاني 24,7% من المصريين من مشاكل نفسية، وفق ما أعلنه الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في أبريل 2018.

ويرى خبراء أن ارتفاع معدلات الانتحار بين الشباب يأتي انعكاسا لواقع اجتماعي واقتصادي وسياسي محبط.

خط الفقر

من جانبه يشير الدكتور أحمد مطر، رئيس المركز العربي للدراسات الاقتصادية إلى أن تزايد معدلات الانتحار تتزامن مع ارتفاع معدلات الفقر من 40 في المائة إلى ما بين 53 و56 في المائة في مرحلة ما بعد الانقلاب.موضحا ان المنظمات الدولية تقدّر الدخل اليومي للواقعين تحت الفقر المطلق بأقل من 3 دولارات وتحت الفقر المدقع بأقل من 1.9 دولار وعلى اعتبار أن متوسط عدد أفراد الأسرة في مصر هو خمسة أشخاص، ومع افتراض أن كل أفراد الأسرة يعملون، فلن يتعدى الدخل اليومي لكل الأسرة 170 جنيهاً. وهذه الأرقام تكشف الحجم الكارثي للأزمة.

ويرجع مطر، في تصريحات صحيفة، ارتفاع معدلات الفقر إلى عدة أسباب؛ منها، أولاً الصرف على مشاريع وهمية، والإنفاق على المنح والعطايا للمقربين من النظام، بالإضافة إلى الرشاوى السياسية والصفقات، وكذلك تعويم الجنيه، وما تبعه من ارتفاع الأسعار مع ثبات الدخل. وهذه المشكلات أدت إلى دخول شرائح جديدة تحت خط الفقر.

ويرى أن السبب الثاني هو القهر السياسي، فثمة علاقة طردية بين تزايد معدلات الانتحار وتراجع حقوق الإنسان في المجتمعات؛ فالدول الأكثر انتهاكًا لحريات الإنسان هي الأكثر في معدلات الانتحار، وهو ما كشفته المذكرة الأساسية لبرنامج الحد من الانتحار، الذي أطلقته منظمة الصحة العالمية في 2014، والتي أشارت إلى أن 75% من حالات الانتحار تقع في الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل وذلك على عكس ما كان يعتقد الكثيرون؛ حيث تتصدر مصر والصين وروسيا وغينيا والسودان وزيمبابوي وبيلاروسيا والمجر وأوغندا قائمة الدول الأعلى في معدلات الانتحار، وجميعها تحتل مراكز متراجعة على مؤشر الشفافية الدولية، وهي دول تتلقى انتقادات واسعة لملفاتها في مجال حقوق الإنسان ومحاربة الفساد.

وأشار مطر إلى أن السبب الثالث لتفاقم الظاهرة، هو الحرب الشعواء التي شنها النظام على التيار الإسلامي والإخوان المسلمين على وجه الخصوص، فقد كان للجماعة آلاف المؤسسات الخيرية التي تم مصادرتها في أعقاب الانقلاب، وبذلك تم حرمان المجتمع من هذه المؤسسات الضخمة التي كانت تسهم في إعانة ملايين الفقراء في مواجهة صعوبات الحياة، وتأمين العلاج والغذاء والملبس والسكن لكثير من محدودي الدخل والمعدمين.

واوضح مطر أن السبب الرابع هو افتقاد القدوة الدينية وتراجع معدلات الإيمان والالتزام الديني، في ظل الحرب الشعواء التي يشنها النظام العسكري على القيم الدينية والرموز الإسلامية المستقيمة التي رفضت حكم العسكر والانقلاب على المسار الديمقراطي. فعمد النظام إلى تشويه هذه الرموز بعد الزج بكثير منها في السجون والمعتقلات بناء على اتهامات سياسية ملفقة ومفبركة. كما أن شيوخ السلطة هم أساسا ليسوا محل قدوة أو احترام لدى  القطاع الأكبر من المصريين، وبذلك بات الشباب بين فكي الكماشة رموز دينية محترمة لكنها تحارب وتسجن ظلما وشيوخ سلطة لهم مطلق الحرية لكنها ليسوا أهلا للقدوة أو أن يكونوا أهلا للدعوة إلى الله.

واكد أن الانتحار هو انعكاس لفقدان المصريين الأمل في المستقبل، كما أنه يعتبر هروبا من الواقع بعد سرقة الأمل من جيل كان يحلم بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهو ما لم يجده بعد الانقلاب على ثورة 25 يناير.

كبت الحريات

ويؤكد الدكتور أحمد عبد الله مدرس الطب النفسي بجامعة الزقازيق أن كل أسباب الانتحار موجودة في مصر، موضحا أن الانتحار هو نوع من أنواع العنف، لكنه موجه ضد النفس، وقد يرجع لأسباب بيولوجية ونفسية واجتماعية، بداية من التلوث مرورا بالضوائق الاقتصادية، ووصولا إلى القمع وكبت الحريات.

وقال عبد الله فى تصريحات صحفية: في الغالب لا توجد حالة انتحار لها سبب واحد، وزاد من تلك الأسباب في الفترة الأخيرة الإحباط الشديد عند الشباب، بسبب ركود الاقتصاد وتعثر الحياة السياسية، وغموض المستقبل وصعوبة الزواج، فضلا عن المشاكل الأسرية والخواء الثقافي والديني.

الضغوط الاقتصادية

ويقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي: إن الأوضاع الاقتصادية لها تأثيرها على اتجاه بعض الأشخاص للانتحار، مؤكدا أنه خلال السنوات القليلة الماضية تزايدت معدلات الانتحار، نتيجة أن بعض الأشخاص لديهم ظروف معيشية لا يستطيعون تحسينها، أو مشاكل لا يقدرون على حلها.

ويوضح أن الراغب في الانتحار هو شخص لديه حالة اكتئاب شديدة وإنسان تكون لديه أفكار انتحارية مسيطرة عليه، لهذا يلجأ الى الانتحار، لافتا إلى أن بعض الأشخاص تكون لديهم حالات مرضية عضوية مزمنة، وحين لا يجدون تحسنًا، ويشعرون بعدم استجابتهم للعلاج، والأمور تتدهور، ولا يجد تحسنًا لهذا يبحث عن شخص يقتله.

ويرى فرويز أن البعض يبحث عن الانتحار لمجرد الفراغ؛ حيث يجد نفسه في البيت بلا عمل، أو هدف، فيقرر التخلص من الحياة لافتًا إلى أن الدول الإسكندنافية تسجل أعلى نسب الانتحار في العالم، ولكن في الشرق الأوسط، ليست كل الحالات التي تذهب للمستشفيات تسجل، تجنبا لمشاكل اجتماعية، وعدم إدخالهم في مشاكل أسرية أو قانونية.

اضطراب الشخصية

ويرجع الدكتور أحمد فوزي، استشار علم النفس بجامعة عين شمس، ظاهرة الانتحار إلى الاضطراب النفسي، الذي يأخذ صورًا متعددة أبرزها اضطراب الشخصية، الذي يصبح فيها المريض أكثر اندفاعية، وغير قادر على المعيشة وكاره للحياة بصورة كبيرة، فحين يفقد قدرته على جذب أنظار المحيطين به، يلجأ إلى الانتحار فورًا.

ويؤكد فوزي، في تصريحات صحفية، أن ما يقرب من 34% من المصريين يعانون من الاضطراب النفسي، 15% منهم يخططون للانتحار، موضحا أن الاكتئاب أحد أسباب الظاهرة، لكن الاكتئاب هو عرض مرضي تسببت فيه عوامل اجتماعية واقتصادية وسياسية تعتبر المتهم الأبرز في تفاقم هذه الظاهرة.

Facebook Comments