يوم الخامس عشر من سبتمبر الجاري يخرج التونسيون إلى صناديق الانتخابات الرئاسية للمرة الثانية بعد ثورة الياسمين، وليختاروا ساكن قصر قرطاج لخمسة أعوام جديدة.

هكذا يقدم التوانسة شحنة ديمقراطية جديدة لمحركات الربيع العربي، حيث تأتي هذه الانتخابات بعد أن فقدت محركات الموجة الأولى في مصر وليبيا وسوريا غالبية شحناتها وأصبحت تعمل بالحد الأدنى في سلسلة تحركات مقاومة متقطعة، كما تأتي هذه الانتخابات لتمنح دعما ديمقراطيا كبيرا للثورتين السودانية والجزائرية اللتين لا تزالان في بداية الطريق.
ليست هذه هي الانتخابات الحرة والشفافة الأولى التي تشهدها تونس، فقد شهدت أول انتخابات بعد الثورة في أكتوبر ٢٠١١ لانتخاب المجلس التأسيسي والذي اختار بدوره لاحقا الدكتور المنصف المرزوقي رئيسا للبلاد ، ثم جرت أول انتخابات برلمانية حرة في أكتوبر ٢٠١٤ تلاها أول انتخابات رئاسية تعددية في نوفمبر من العام ذاته ، وشهد العام الماضي أول انتخابات بلدية بعد الثورة أيضا، ومع مرور تلك الاستحقاقات بسلام وببعض المنعطفات التي أمكن تجاوزها ، تمكنت الثورة التونسية من تثبيت أقدامها، وترسيخ الممارسة الديمقراطية بعد أكثر من ٦٠ عاما من الحكم الشمولي الذي أعقب الاستقلال في عام ١٩٥٦.

(الإجابة تونس) كانت تعبيرا شعبيا عربيا عن سبق تونس في مجالات كثيرة على رأسها الانعتاق من الحكم الاستبدادي في أول ثورة للربيع العربي، واليوم وبعد مرور ٨ سنوات على انطلاق تلك الثورة ومع تعثر بقية شركاء الموجة الأولى وعدم اكتمال الموجة الثانية تأتي الاجابة من تونس مجددا، لتمثل شعاع أمل جديد للحيارى والمحبطين في منطقتنا التي حاصرتها قوى الثورة المضادة من تل أبيب إلى الرياض وأبو ظبي.

صحيح أن الجغرافيا السياسية لتونس ساعدتها كثيرا في تجنب هجمات الثورة المضادة، فتونس دولة صغيرة، وهي لا تجاور أيا من عواصم تلك الثورة المضادة ولا تمثل خطرا عليها، ولكن التوانسة بذلوا جهدا إضافيا لتجنب تلك الهجمات تمثل بشكل أساسي في صناعة توافقات كبرى عجزت عنها شقيقاتها في الربيع العربي، وكان لهذه التوافقات بعد الجغرافيا الدور الأكبر في الإفلات من المؤامرة بل وفِي اكتساب دعم دولي كبير حرمت منه الثورات الأخرى.

يعيب الكثيرون على حركة النهضة التي حصدت المركز الأول في انتخابات المجلس التأسيسي ومن بعده الانتخابات البرلمانية تنازلها عن حقها في تولي موقع الرئاسة الأولى أو رئاسة البرلمان، ولا يدرك هؤلاء أن هذه التنازلات هي التي أبقت على الحالة الديمقراطية التي أنتجتها ثورة الياسمين، كما أن خسارة الرئيس المنصف المرزوقي في مواجهة السبسي في أول انتخابات تعددية بعد الثورة كانت أمرا مؤلما وبدت ردة عن الثورة، لكنها كانت سببا جديدا في تجنب هجمات الثورة المضادة والحفاظ على الاستقرار الديمقراطي في تونس

وبمناسبة ذكر اسم المنصف المرزوقي والذي يخوض الانتخابات مجددا طامحا في العودة إلى قصر قرطاج، ورغم أن هذا الأمر شأن تونسي خالص لا يحق لنا أو لغيرنا التدخل فيه إلا أن المروءة والانتماء الواحد لثورات الربيع العربي سبب كاف لتمني التوفيق لهذا المناضل الذي كان أول ثمرة لذلك الربيع مع رفيق دربه الرئيس الشهيد محمد مرسي، والذي ظل المرزوقي وفيا له خلال فترة حبسه حزينا أشد الحزن عليه بعد استشهاده.

لا أتصور أن يلومنا الأشقاء في تونس خصوصا من يعارضون المرزوقي أو يَرَوْن ضعف حظوظه علي تعاطفنا مع الرجل فهذا التعاطف المعنوي الذي لا يترجم تصويتا في الصناديق (باعتبارنا غير توانسة) هو جزء من رد الجميل للرجل الذي ظل يحمل مشعل الربيع العربي، وأسس له مجلسا تنسيقيا ضم قيادات بارزة من ثورات مصر واليمن وسوريا، كما أنه لم يدخر جهدا في الدفاع عن الرئيس الشهيد محمد مرسي وكل السجناء والمحكومين بالإعدام في مصر الذين أطلق من أجلهم حملة خاصة، ولا ننسى أخيرا فعالية التأبين التي نظمها في أربعينية الرئيس مرسي ودعا لها رموزا عربية وإسلامية كبرى.

لا ننكر جهود بقية الرموز التونسية في التضامن معنا، لكن جهود المنصف كانت هي الأكبر والأظهر، خاصة أنها تأتي من شخص مختلف سياسيا مع الإخوان المسلمين عكس أبناء النهضة الذين ينتمون إلى المدرسة الإسلامية ذاتها، وبالتالي فقد كان تضامنهم هو تضامن مع الذات، وكم كنّا نتمنى وجود شراكة سياسية بين المنصف والنهضة وهما جناحا الثورة التونسية، وأعلم أن جهودا كبيرة بذلت في هذا السياق ولهدف التوصل إلى مرشح توافقي لقوى الثورة ولكن هذه الجهود فشلت للأسف، ومع ذلك فإننا نأمل أن يحافظ الطرفان على علاقة سوية تسمح لهما بالتحالف في الدور الثاني للانتخابات الذي قد يصل إليه أحدهما، ونأمل أن يتدخل العقلاء في الجانبين لوقف التراشقات بين بعض المحسوبين عليهما والتي تسمم الأجواء وتحول دون تحالفات المستقبل.

دعونا إذن نستمتع بهذا العرس الديمقراطي الحقيقي الذي تشهده تونس والذي شهدنا مثيلا له في مصر منتصف عام ٢٠١٢، حيث يتنافس في تونس حاليا علي المنصب الأول في البلاد ٢٦ مرشحا نصفهم من العيار الثقيل، ولا تزال استطلاعات الرأي حائرة فيمن سيصل إلى الدور الثاني، وهو ما حدث سابقا في مصر أيضا حين ترشح ١٣ مرشحا في ٢٠١٢ نصفهم على الأقل كانوا من الوزن الثقيل أيضا، وظلت استطلاعات الرأي تتأرجح بينهم حتى كانت المفاجأة بوصول ممثل الثورة محمد مرسي في مواجهة ممثل الثورة المضادة أحمد شفيق ليفوز الأول علي الثاني في الجولة النهائية، لم تكن النتيجة معروفة مسبقا كما كان الحال في كل الانتخابات السابقة قبل الثورة ، وهو ما يتكرر حاليا في تونس، وهو نموذج لما يحدث في كل البلدان الديمقراطية العتيقة، وكلنا أمل بالتأكيد في فوز من يحمي المسار الديمقراطي في تونس ويمكنه مواجهة مؤامرات الثورة المضادة .

يأتي العرس الانتخابي التونسي مواكبا لانتقال ديمقراطي في السودان لا يزال في خطواته الأولى ومواكباً لحراك ثوري لم يتوقف على مدى أكثر من عشرين اسبوعا في الجزائر لتتشكل صورة موجة ثانية للربيع العربي ستكتمل بهزيمة الثورة المضادة في ليبيا وبعودة الروح الثورية إلى مصر مع تصاعد الغضب الشعبي ووصوله إلى فئات ونخب كانت حتى وقت قريب داعمة لنظام السيسي، ومع انكشاف المزيد من صور الفساد المالي والإداري للطغمة العسكرية الحاكمة.

فيسبوك