أثار قرار قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي بالإطاحة برئيس هيئة قناة السويس مهاب مميش وتعيين أسامة ربيع خلفًا له، العديد من التساؤلات حول أسباب هذا القرار؟ وهل له علاقة بالخسائر المتتالية للقناة الأم ولتفريعة السيسي التي أنشئت عام 2015؟ أم أن يأتي ضمن سياسة المنقلب للتخلص التدريجي من رفاق الانقلاب العسكري في 3 يوليو 2013؟ وأين ذهبت وعود مميش قبل التفريعة بتحقيق المشروع إيرادات تصل إلى 100 مليار دولار سنويا؟

خسائر القناة والتفريعة

ويرى مراقبون أن الإطاحة بمميش تأتي في الوقت الذي تتكبّد فيه القناة خسائر فادحة على عكس ما كان يتم الترويج له خلال افتتاح تفريعة القناة، بأنها ستضاعف العائدات، وفي الوقت الذي تكبّدت فيه خزينة الدولة عشرات مليارات الجنيهات؛ حيث كشفت مصادر حكومية عن تدخل وزارة المالية، لتحمل قيمة أقساط قروض مستحقة لتحالف بنوك محلية وأجنبية تقدر بـ600 مليون دولار، في إشارة إلى تحالف البنوك الذي مول حفر التفريعة التي تم افتتاحها في أغسطس 2015، بخلاف 300 مليون دولار مستحقة لبنوك أجنبية، وذلك بعد عجز الهيئة للمرة الثالثة على التوالي عن تسديد قيمة أقساط القروض المستحقة عليها، في ظل عجزها عن تحقيق أرباح تغطي خسائرها.

هذا العجز من جانب الهيئة يأتي بعد اقتراضها مليار دولار عام 2015 من تحالف ضم ثمانية بنوك، وتضمن الاتفاق وقتها تسديده على أقساط نصف سنوية في شهري ديسمبر ويونيو على مدار 5 سنوات، قيمة كل قسط منها 300 مليون دولار في العام، إلا أنه وبسبب زيادة الأعباء المالية الملقاة على الهيئة مع ثبات الإيرادات وعدم تحسنها عجزت قناة السويس عن تسديد دفعات الأقساط المقدرة بنحو 450 مليون دولار، التي كانت مستحقة في أشهر ديسمبر 2017، ويونيو وديسمبر  2018.

عجز عن سداد القروض

ولم يكن القرض المقدر بمليار دولار الأول من نوعه الذي حصلت عليه هيئة قناة السويس، بل حصلت على قيمة 400 مليون دولار عام 2015، من تحالف ضم 4 بنوك لتغطية المستحقات الخاصة بشركات المقاولات المشاركة في حفر تفريعة قناة السويس، وبخلاف القروض المستحقة على الهيئة، هناك ودائع بنكية بفوائد تقدر بنحو 15.5 % سنويا؛ حيث تقدر تلك الودائع بنحو 64 مليار جنيه مصري، عبارة عن شهادات أصدرتها أربعة بنوك مصرية هي الأهلي المصري، ومصر، والقاهرة، وقناة السويس، وتصل مدة الشهادة إلى 5 سنوات بعائد لدى طرحها بلغ 12 % سنويًا تدفعها الهيئة وتضمنها وزارة المالية.

أسباب الخسائر

وبحسب البيانات الرسمية، انخفضت إيرادات القناة عقب افتتاح التفريعة الجديدة بطول 35 كيلومترا، عن الأعوام التي سبقتها؛ حيث بلغت الإيرادات خلال 2016 نحو 5 مليارات دولار، بينما حققت 5.17 مليارات عام 2015 مقابل 5.46 مليارات عام 2014، وبلغت تكلفة حفر التفريعة نحو أربعة مليارات دولار، وبعد تراجع إيرادات القناة التي يبلغ طولها 193 كيلومترا، اعترف السيسي في 2016 بأن المشروع كان لرفع الروح المعنوية للمصريين فقط، فيما تسبب تراجع الإيرادات في طلب إدارة الهيئة في مايو 2018 من البنوك الحكومية توفير تمويل عاجل بقيمة 400 مليون دولار للمساهمة في مشروعات البنية التحتية للقناة.

ويشير مراقبون إلى أن أحد أسباب فشل القناة الجديدة يكمن في عدم الاهتمام بدراسات الجدوى للمشروعات التي كان يتم إنشاؤها في مصر خلال تلك الفترة، وهو ما اعترف به السيسي خلال كلمته الارتجالية في فعاليات منتدى إفريقيا 2018، مشيرين الي أن من ضمن أسباب الخسارة أيضا ضخامة المبلغ المقترض بالعملة الأجنبية، 1.4 مليار دولار، وهو ما كان يساوي 15 مليار جنيه مصري تقريبا في وقت ذروة أزمة الاحتياطي الأجنبي، فضلا عن شهادات استثمار بقيمة 60 مليار جنيه، في حين لم تكن هناك أية مبررات لضغط التنفيذ في عام واحد والاستعانة بشركات أجنبية للإسراع في التنفيذ، حيث تعمل القناة أصلا بنحو 60% فقط من طاقتها.

قناة السويس للحاويات

ولم تسلم شركة قناة السويس للحاويات من نزيف الخسائر؛ حيث أعلن الرئيس التنفيذي للشركة التابعة لمجموعة ميرسك الدنماركية "لارسن كريستنسن"، في أبريل من العام الجاري، تكبد الشركة خسائر فادحة، قائلا: "نتكبد خسائر مليون دولار شهريا منذ بداية 2019 ونتوقع تكبد خسارة هذا العام مقابل صافي ربح خمسة ملايين دولار في 2018 وعشرة ملايين في 2017"، مضيفًا: "بسبب هذه الخسائر قمنا بتسريح 400 عامل وموظف، ولا نضخ استثمارات جديدة حاليا، لنستطيع التعايش مع الظروف الحالية".

وأضاف كريستنسن: "هناك نحو 16 خطًّا ملاحيًّا رحلت عن شرق بورسعيد في 2017 بسبب الرسوم، واتجهت إلى ميناء بيريوس اليوناني ، نتناقش مع الحكومة حاليًّا بخصوص الحلول التي تجعلنا قادرين على المنافسة في شرق المتوسط، خاصة أن الرسوم ما زالت غير تنافسية"، وضرب كريستنسن مثلا بالسفينة البالغة حمولتها نحو 141 ألف طن تدفع في شرق بورسعيد بمصر رسومًا تقارب 70 ألف دولار، بينما تدفع في بيريوس باليونان نحو 31 ألف دولار فقط.

وتابع كريستنسن أن "خطوط الملاحة التي خرجت من شرق بورسعيد لن تعود مرة أخرى إلا عندما تجد خطة لدى الدولة بها استقرار في الأسعار من ثلاث إلى خمس سنوات حتى تستطيع الشركات وضع خططها الاقتصادية المناسبة"، وتوقع تداول ما بين 2.5 مليون و2.6 مليون حاوية هذا العام، مقارنة مع 2.6 مليون حاوية في 2018.

وبدأت قناة السويس للحاويات عملها في 2004 كمشروع مشترك، وتملك فيها ميرسك 55% من خلال شركتها التابعة إيه.بي.إم ترمينالز، في حين تملك كوسكو باسيفيك 20%، وهيئة قناة السويس 10%، والبنك الأهلي المصري 5%، والنسبة الباقية لشركات خاصة، وتعد الشركة أكبر محطة لتداول الحاويات في مصر والثانية في شرق المتوسط، وتمثل تجارة الترانزيت 95% من حجم أعمال ميناء قناة السويس للحاويات بشرق بورسعيد.

Facebook Comments