في أي باب من بيان الكلمة يمكن أن نضع رسالة الشهداء وسخريتهم من الحياة الدنيا، ومدى قربهم من الله عز وجل لرؤية فضاءات أوسع مما نرى!، ليس من باب التصوف ولكن من باب اليقين والثقة بما في يد الله.

هكذا كانت قراءتي البسيطة والأولية لرسالة كتبها الشهيد بإذن الله المعتز بالله غانم، قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه، اليوم، بعنوان “لا تقفوا على الأعتاب”، ولعلكم تترجمون فيها معاني أكثر وأعظم.

وفي مقاله، يعتبر ما يراه من ممرات وكتابات لا يعنيه بشيء، فيقول: “هناك على أول الممر المؤدى للزنازين الانفرادية التي يقبع فيها إخوانكم المحكوم عليهم بالحياة الحقيقية بعيدًا عن ذلك الزيف الذي بالخارج.. على أول هذا الممر.. باب حديدي متين مكتوب عليه “شديد الحراسة”.. لما رأيتها ابتسمت بشدة، وتذكرت قول الله عز وجل: “وأنا لمسنا السماء فوجدنها ملئت حرسًا شديدًا وشهبا”، فعلمت أن الله قد أراد لنا الخير”.

وعن تعبير الحراسة المشددة، وجد له فائدتين: الأولى “حراسة مشددة من الزيف الذى تضج به الحياة، هذا الانفراد كان بابًا للأنبياء يدلفون منه إلى السماء.. حيث كان هناك فى الغار محمد “صلى الله عليه وسلم” وحيدًا، ومن قبله “الخليل” إبراهيم فى جوف الظلام مقلبا النظر إلى السماء، وهذا موسى “عليه السلام” فى عمق سيناء عند جبل الطور يبحث عن قبس النور”.

والثانية “حراسة مشددة عن كل ما يشوش النفس ويدنس الروح، هنا تعاد صياغة النفس وتبنى الروح من جديد. أما نحن فقد ساقنا الله رغما عنا إلى هنا.. ربما لأن نفوسنا وأرواحنا أضعف أو أسوأ، أما أنتم فلكم الاختيار، لا تقفوا كثيرا على الأعتاب.. استعينوا بالله وادخلوا”.

يقول المعتز بالله الغانم، عن السكينة التي أودعها الله في قلبه: “في اليوم الأول في زنزانة الانفرادي “ربع الإعدام” اجتاحت نفسى حالة من الهدوء والسكينة.. حتى إنني نمت كما لم أنم من قبل.. أحسست أن ثقل الحياة قد انزاح عن كاهلي.. وكأن عقلي وفكري قد استراح أخيرا من كثرة التفكير. حاولت جاهدا أن أفكر عبثا.. كيف هي أمي.. كيف حالها، أخي وأختي وصغاري.. فلم أستطع إلا أن أراهم مبتسمين يلهون.. حاولت أن أقلق عليهم.. فلم أستطع، أدركت أننا نتكلف الهموم أحيانا ونتصنع العناء”.

ويتابع “فوجدت أن تلك السكينة التي ملكتني ولا حيلة لي فيها.. بل هي فضل من الله.. ربما ليست إلا دعوة منها أصابت وقت إجابة.. فقلت لنفسي إذا كان هذا حال قلبي وقد أصابتني دعوتها.. فكيف حال القلب الذي دعا”.

ويضيف “حاولت جاهدا أن أفكر في رفاقي.. فلم أشعر أنى فارقتهم.. فهذه القلوب أحبتني وأحببتها، وما زالت تنبض بمزيد من الحب.. هذه القلوب التي اهتمت لأمرى أكثر من نفسى.. كيف أحزن عليهم أو أقلق وقد سمعت قول رسول الله: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان.. وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله”، وسمعته أيضا يقول “سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ورجلان تحابا فى الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه”، فالقلوب التي ذاقت حلاوة الإيمان والأرواح التي ستستظل فى ظل العرش بإذن الله أيحجبها جدار أو قضبان؟”.

الشفافية ومتعة الروح رآها “المعتز بالله غانم”، ابن المنصورة المتهم ظلما، هي “هنا” يقصد في الانفرادي “تكون الروح أكثر شفافية وإشراقا.. أولئك السجانون الذين يحومون طوال الليل يظنون أنهم يحرسوننا حتى لا نؤذى أنفسنا.. عبثا يفعلون.. ألا يعلمون أنها أسمى أمانينا.. ألا يعلمون أنهم هم المحتجزون!.. أما نحن فقد منّ الله علينا ودخلنا إلى فضاءات متسعة وعوالم مشرقة”.

ويجد في سجنه قيامًا وقربة إلى الله فيقول: “هذا رمضان.. اجعلوا فيه على قلوبكم حراسة مشددة.. شيدوا حصونكم وأحكموا المراقبة، فالقرآن روح لا بد أن تسرى أجسادنا لنحيا بحق، ونور نستضيء به فى ظلمات الفتن”.

ولا يجب أن ننسى القيام “إن ناشئة الليل هى أشد وطئا وأقوم قيلا”، “ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا”، واحرصوا أحبابي على أن يكون لكم ذكر في الملأ الأعلى تعرفون به بين أهل السماء”.

الرسالة التي خلص إليها هي دعوة غيره إلى ميدانه الذي أمتع روحه، فيقول: “أعيدوا صياغة أنفسكم، وأحسنوا بناء أرواحكم، فإنما يُعدّكم الله لأمر عظيم.. ميدانكم الأول أنفسكم، فإذا قدرتم عليها كنتم على ما سواها أقدر.. لا تقفوا على الأعتاب.. استعينوا بالله وادخلوا”.

المعتز بالله

الشهيد بإذن الله المعتز بالله غانم، هو طالب بكلية التجارة بجامعة المنصورة، تم اعتقاله من منزله فجر يوم 11 أكتوبر 2014، وتعرض للإخفاء القسري لمدة 20 يومًا، حتى تم التحقيق معه في القضية المعروفة إعلاميًّا بـ”#قضية_ابن_المستشار، وتنوعت الانتهاكات بحق غانم، حيث تعرض خلال تلك الفترة لأشد أنواع التعذيب، فضلًا عن حرمانه من التواصل مع أهله ومحاميه حينها.

وفي 14 ديسمبر2017، أيدت محكمة النقض حكم الإعدام بحقه، وتم تنفيذ الحكم عليه، اليوم 7 فبراير 2019، ظلمًا وعدوانًا.

Facebook Comments