كتب محمد مصباح:

أمس.. شهدت دوائر الانقلاب العسكري أزمة وارتباكا غير مسبوق، عقب نشر صحيفة التلجراف البريطانية تقريرا من القاهرة، مصحوبا بفيديو يظهر مواطنا مصريا يُدعى إبراهيم يسري، يؤكد عثوره على قاذفة صواريخ بجانب الطريق المؤدي إلى مطار القاهرة الدولي في كومة من القمامة.. ونقلته عنها بعض المواقع المصرية، منها "الفجر".

فبينما لم تعلّق أية جهة رسمية على التقرير، الذي نشرته الصحيفة البريطانية الاثنين في حوالي الساعة الخامسة والثلث بتوقيت القاهرة، سواء بالنفي أو التأكيد، فيما نشر موقع "مبتدأ" المملوك لرجل الأعمال طارق إسماعيل، التابع بشكل مباشر للواء عباس كامل، مدير مكتب عبدالفتاح السيسي، في الساعة التاسعة إلا الربع بتوقيت القاهرة، تقريرًا يكذب ما نشرته "تلجراف".

بينما علق الباحث مختار عوض، وهو باحث مساعد في فريق الأمن القومي والسياسة الدولية في "أمريكان بروجرس"، ويتركز عمله على الجماعات الإسلامية وسياسات الشرق الأوسط والسياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه المنطقة، وهو الذي نشر الفيديو على حسابه الخاص على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، واعتمدت عليه "تلجراف" في قصتها التي نشرتها.

ووضع عوض منشورًا على حسابه على "تويتر" يرد فيه على رواية المواقع المصرية التي تكذب الصحيفة البريطانية، حيث أكد أنه "من السهل جدًا على أي مستخدم لمواقع التواصل الاجتماعي أن يقوم بتعديل تاريخ أي منشور وإعطائه تاريخًا قديمًا، وهو الأمر الذي ظهر فعلًا عندما راجعنا الحساب الذي قام بنشر الفيديو بتاريخ قديم، ولكنه في الوقت نفسه لم يؤكد تاريخ الفيديو، وقال إنه ينتظر تحقيقًا رسميًا".

وبالعودة إلى الحساب الذي نشر الفيديو بالتاريخ القديم، واستشهد به موقع "مبتدأ"، فإنه يحمل اسم "Merna A Fahmy"، وقد أنشئ منذ 2014، ويقوم بمشاركة موضوعات كثيرة من موقع "مبتدأ"، ما يشير إلى علاقة ما بين الكيانين، لا سيما أن الحساب لا يحتوي أية إشارات إلى كونه حسابا شخصيا، فلا توجد عليه أي صور شخصية أو ما شابه، ما يؤشر أيضًا إلى أنه حساب مزيف، كمئات الحسابات التي تنشئها كتائب السيسي الإلكترونية، التي تم فضحها في أكثر من مناسبة، ومنها فضيحة "الدولجية" الشهيرة التي كان بطلها المدعو إبراهيم الجارحي.

وحسب ما نشرت الجريدة البريطانية، نقلًا عمّا قاله المواطن إبراهيم يسري في الفيديو، الذي يفترض أنه صاحب الفيديو الأصلي، إنه "وجد قاذفة صواريخ "سام 6" على جانب الطريق المؤدي إلى مطار القاهرة الدولي".

وأضاف يسري، عبر صفحته على موقع التواصل "فيس بوك"، أنه كان مترددًا في إبلاغ الشرطة بمكان الصاروخ خوفًا من اتخاذ إجراءات ضده، لكنه قرر، في النهاية، الإبلاغ، "إحساسًا منه بالمسئولية"، مؤكدًا أنه "لم يكن بعيدًا عن المطار أو استهداف الطائرات".

وأوضح أن "السلاح لم يكن حاملاً للصاروخ"، مضيفاً أنه حاول بعناء إقناع رجلي الشرطة بأن الأمر حقيقي، حتى قام بحمله بعيدًا.

وقالت الجريدة إن الصاروخ المحمول يبلغ مداه 2.5 ميل، وقادر على إسقاط طائرات لدى تحليقها.

ماذا يعني؟
وعلى رغم حالة الإنكار التي يعايشها نظام العسكر القمعي، الذي يتعامل بوحشية مع معارضيه المدنيين السلميين الرافضين لانقلاب السيسي على الشرعية الدستورية، تاركا أساليب الأمن الذكي وتحليل المعلومات وتوقع الأحداث، وهو ما تكرر في كثير من الحوادث، كما فعل من قبل بقتل 5 بسيارة ميكروباص، مدعيا أنهم من قتلوا الباحث الإيطالي حوليو ريجيني، ورغم عدم حججهم واصل أمن الانقلاب إخفاء ذويهم لأكثر من 11 شهرا، رغم روايات أمنية مضحكة.. رفضتها إيطاليا.

الهدف من الصاروخ
ويمثل الصاروخ رسالة يتجاهلها نظام الانقلاب القمعي، بأن القبضة الأمنية والقمع لكل من يخالف أو يفكر أو ينوي معارضة السيي، لن توفر الأمن المجتمعي في مصر.. كما أن مسارعة التلجراف لنشر الموضوع والاهتمام به، بسبب القلق الذي ضرب بريطانيا، التي تراقب عن كثب أمن المطارات في جميع أنحاء مصر، كونها تدرس إذا كانت ستستأنف الرحلات السياحية إلى شرم الشيخ بعد تفجير الطائرة الروسية من قبل تنظيم "الدولة الإسلامية" في عام 2015، أم لا، خصوصًا بعد ظهور فيديو منسوب لـ"داعش" يهدد السكان المسيحيين في مصر.

يذكر أن بريطانيا أوقفت الرحلات الجوية إلى شرم الشيخ بعد تفجير الطائرة الروسية الذي تبناه "داعش" عام 2015، وتدرس حاليًا إذا كانت ستستأنف رحلات الطيران، كما فعلت العديد من الدول الأوروبية الأخرى. وآخرها روسيا التي أرجأت قرارها بعودة طيرانها لمصر بسبب ملاحظاتها الأمنية.

صاروخ المطار بعد الفيديو قيل إنه لتنظيم الدولة الإسلامية، وإعلانه مسئوليته عن تفجير الكنيية البطرسية يؤكد ضعف منظومة الأمن في مصر في ظل انقلاب العسكر، واعتماده فلسفة أمن النظام وليس أمن المحتمع، حيث توجه الطاقات لتأمين قادة الانقلاب فقط، وهو ما يعزي لبناء أجهزة الدولة على العمل وفق تلك الرؤية، ومن ثم يربط كل نجاح للسيسي ونظامه، أما الفشل فمن نصيب معارضي السيسي ورافضي انقلابه، سواء لهم دور أم لا.. وهو ما يعمق سياسات تغييب الحقائق لحماية النظام المتهاوي.

Facebook Comments