التوجه الأبرز في صحف الإثنين، هو تصريحات الجنرال عبدالفتاح السيسي في مؤتمر الشباب أمس الأحد، حيث أبرزتها جميع الصحف وخصصت غلافات بأكملها لذلك، وتصدرت صورة السيسي جميع الصحف من جميع الأبعاد والزوايا، وتم التركيز على المضامين الآتية:

أولا نشر التفاؤل حيث أبرزت الصحف التصريحات المحققة لذلك منها (السيسى يطلق رسائل الأمل والمصارحة من منبر الشباب: خلاص.. هنخرج من عنق الزجاجة قريبا/مصر فى وضع منتصف 2020.. السيسى: افتتاح مشروعات قومية جديدة قريبا لخدمة المواطنين/ وأنفاق القناة ترى النور فى نوفمبر/ مصر هتبقى فى وضع تانى بحلول 30 يونيو 2020/ خلال العامين القادمين سننتهى من شبكة الطرق والمرحلة الأولى من العاصمة الإدارية/ قناة السويس حققت إيرادات إضافية تعادل ما تم صرفه على حفر القناة الجديدة/ اكتفاء ذاتى من الغاز وعاصمة إدارية و”العلمين” و6 مدن صعيدية).

ثانيا،نفي تهمة الغدر والخيانة عن نفسه وعن الجيش وقد استخدم في سبييل ذلك التصريحات الآتية: (أبناء الشعب من الجيش والشرطة قدموا حياتهم لتحقيق الأمن والاستقرار/ لم يكن هناك تآمر لإسقاط النظام السابق/ لن نتدخل فى شئون أى دولة ولا نتآمر ضد أحد/ الجيش لم يتآمر على النظام السابق/ الشعب هو الذى ستدعى الجيش فى 30 يونيو/ القوات المسلحة لا تتآمر على أحد وتدخلت فى 2013 لحماية الدولة والأمن القومى).

ثالثا، إنكار صفقة القرن باعتبار المصطلح “إعلامي” لا سياسي ويؤكد ذلك(صفقة القرن” مصطلح إعلامى وسندعم اختيارات الشعب الفلسطينى/ السيسى عن “صفقة القرن”: نؤيد دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية).

رابعا، الإشادة بدعم عواصم الخليج (دعم الاشقاء لمصر أحد أهم أسباب استقرار الدولة بعد 3 يوليو/ ووقفة ودعم الأشقاء بالخليج لنا كانت أحد أهم أسباب ثبات الدولة).

خامسا، استخدام فزاعة الإرهاب (نعمل على مواجهة الإرهاب دون مصالحة مع أى طرف/ نقف أمام الفكر المتطرف بمنتهى القوة والشجاعة لحماية الدولة والدين/ تدمير سيارات محملة بالأسلحة والذخائر والمواد المهربة يوميا على الحدود الغربية/ مستمرون فى المجابهة).

سادسا، التركيز على نبرة التنمية، لإقناع الشعب بأنجازات غير ملموسة وقد استخدم العبارات الآتية(افتتاح مشروعات قومية جديدة قريبا/ مساندة الدولة للنهوض بالصحة والتعليم/ قناة السويس حققت إيرادات إضافية تعادل ما تم صرفه على حفر القناة الجديدة/ الدولة تتحمل 100 ألف جنيه عن كل مواطن للقضاء على “قوائم انتظار العمليات”/ اكتفاء ذاتى من الغاز وعاصمة إدارية و”العلمين” و6 مدن صعيدية).

أما في تغطية المواقع المستقلة للمؤتمر، فقد نشرت صحيفة “العربي الجديد” تقريرا بعنوان (#ارحل_ياسيسي يتصدر الترند العالمي فور “زعله”!)، وتقرير ثان بعنوان (رسائل السيسي بصيغة تهديد: الجيش لا ينسى و”زعلي وحش”(، وثالث بعنوان ( السيسي مهاجماً “ثورة يناير”: لن ينجح النظام إلا بالاستقرار )، لكن الأخطر على الإطلاق تقرير بعنوان (السيسي: لو حدّ عنده حل يقول… ومغرّدون: لو ماعندكش ارحل( . ورصد التقرير ما يلي:

أولا، مشاركة هشام طلعت مصطفى في الصف الثاني خالف السيسي مباشرة وبجوار وزير الداخلية وهو الذي خرج من السجن بفعو صحي في قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم.

ثانيا، كذلك تصريحات السيسي التي أثارت تهكما واسعا على مواقع التواصل منها(“لو اخترت بين الطعام وعلاج المرضى لاخترت العلاج”

ثالثا،”السيسي: نحتاج 15 مليار لزيادة مرتب المعلم ألف ج، ما انت زودت القضاة 5 آلاف وبأثر رجعي وزودت الجيش والشرطة حتى المعاشات بتاعتهم غير البدلات والحوافز.. هي جت على المدرس الغلبان بقت مافيش؟ أقولك زود الطباعة شوية، إنتم طابعين 450 مليار ج في سنة بدون غطاء نقدي يا خاربها”.

رابعا، في تصريح آخر قال: “أنا ضاغط عشان مافيش سبيل تاني.. ولو حد من الـ100 مليون يعرف يعمل حاجة يقوللي”، فجاءت الإجابة من الفنان خالد أبو النجا: “لو ماعندكش حلول ارحل، أهو عالمياً أصبح في ترند بيقولها لك واضحة وصريحة: #ارحل_ياسيسي”.

حوادث طرق وفلتان أمني:

من الموضوعات التي حظيت بقدرمن اهتمام الصحف ما نشرته المصري اليوم والوطن عن مصرع 10 عمال وإصابة 19 فى تصادم ببورسعيد.. “طوارئ” فى المستشفى العام.. والعمال يبادرون بالتبرع بالدم لإنقاذ زملائهم. ونشرت الشروق تقريرا بعنوان (5 مصابين فى خروج قطار عن القضبان بأسوان.. ورئيس جديد للسكة الحديد.. مصرع 10 أشخاص وإصابة 17 آخرين فى حادث تصادم بين سيارتين ببورسعيد)، وعلى مستوى الفلتان الأمني نشرت المصري اليوم وغيرها تقريرا بعنوان (الشرطة تبحث عن قاتل “أبيفانيوس” رئيس دير الأنبا مقار.. الكنيسة: استدعينا الجهات الرسمية لغموض الحادث.. والطب الشرعى يشرح الجثة).

ملف الإعدامات:

تقارير قليلة تم رصدها اليوم عن الجماعة في صحف النظام،حيث تناولت الأهرام والمصري اليوم والشروق إحالة أوراق متهم في قضية “أحداث العدوة” للمفتي والحكم على فضيلة المرشد وباقي المتهمين في جلسة 23 سبتمير، كما تناولت مد أجل الحكم على الدكتور بديع وباقي المعتقلين لجلسة 12 أغسطس في قضية “أحداث البحر الأعظم”. و أصرت الأهرام على استخدام عبارة “الجماعة الإرهابية” في عنوان التقرير، بينما تغضت المصري اليوم والشروق عن ذلك في عنوان المعالجة.

وحظيت قضية الإعدامات الكثيرة على اهتمام وسائل الإعلام الأخرى التي لا تقع تحت وصاية النظام، حيث أشار موقع عربي “21” إلى بيان الجماعة (إخوان مصر: أحكام الإعدام لن توقف مسيرة الجماعة )، ونشر موقع “عربي بوست” تقريرا مترجما بعنوان (صحيفة El Mundo الإسبانية: هل يكرر السيسي سيناريو مذبحة رابعة العدوية بإحالة ملفات 75 متهماً بالقضية للمفتي تمهيداً لإعدامهم؟)، كما نشر موقع عربي 21 تقريرا آخر بعنوان (تعليق غير مباشر للبرادعي على أحكام الإعدام في مصر )، حيث قال البرادعي في تغريدة له: “أمامنا خياران لا ثالث لهما: 1- التوصل إلى ما يجمعنا في إطار تعددية قائمة على عدالة تصالحية وتوافق وطني على القيم الأساسية، وفي مقدمتها الكرامة الإنسانية، و علاقة الدين بالدولة”، وأضاف أن الخيار الآخر هو “الاستمرار في الفُرقة والانقسام في إطار علاقة صفرية انتقامية يخسر فيها الجميع ونسير من سيئ إلى أسوأ”.

وكان الدكتور البرادعي قد كتب أول من أمس تغريدة قال فيها : (“أزداد يقينًا كل يوم أن لم الشمل والتسامح وليس الانتقام وشيطنة الآخر هما السبيل الوحيد لمستقبل واعد ومجتمع في سلام مع نفسه”). ونشر موقع قناة العالم الإيرانية، تقريرا بعنوان (اقتراب دور قيادات الإخوان في طابور “الإعدام”( تناول الموضوع خبريا ثم استعرض الصراع بين الجماعة والنظام بلغة أقرب إلى التعاطف مع الجماعة مبرزا الدور السياسي لبعض القيادات التي طالها الحكم.

وكتب جمال سلطان مقالا في المصريون بعنوان (عودة ظاهرة الإعدامات بالجملة في مصر ). اعتبر فيه أن أحكام الإعدام الجماعية تسيء إلى النظام قبل أي شيء، كما تسيء لمنظومة القضاء والعدالة في مصر..

وقارن بين الحكم الأول في قضية أحداث العدوة الذي قضى بإعدام 183 شخصا، والحكم الصادر أمس الأحد بإحالة شخص واحد للمفتي، في نفس الوقائع ونفس الشهود ونفس المتهمين؛ فما بين الحكمين مساحة واسعة ومخيفة في تباين التقديرات للقاضي، تجعل التساؤل مطروحًا حول منطقية أن يكون الاجتهاد في “العدالة” يمكن أن يسمح بهذا الاختلاف الرهيب.

وانتقد كذلك موافقة المفتي على إعدامهم وهم أبرياء واستباحة دمائهم، لولا أن قيض الله لهم محكمة النقض لتنقذهم من حبل المشنقة، مطالبا بإعادة النظر في آلية دور مفتي الجمهورية في أحكام الإعدام، خاصة وأن محكمة النقض لا تتعرض لرأي المفتي، ولكنها تتعرض لإجراءات المحكمة نفسها، لكن في كل الأحوال، فإن جرأة مفتي البلاد على الموافقة على شنق مائة وثمانين نفس بريئة يصبح محلاً للتساؤل والنقاش.

كما انتقد الكاتب قرار عدلي منصور بإنشاء محاكم خاصة لمحاكمة المعارضين، تحت عنوان “دوائر الإرهاب” وهي التي صدر عنها كل تلك الأحكام المثيرة للجدل، كان هناك توجه لتشكيل دائرة خاصة أيضًا في محكمة النقض لتعرض عليها تلك الأحكام، ولكن الجمعية العمومية للنقض يومها رفضت ذلك، واعتبرته إخلالاً بمبدأ العدالة، وكان هذا الرفض ليس فقط حماية لآلاف الأبرياء من القتل المجاني، وإنما أيضًا إنقاذًا لسمعة النظام نفسه، الذي كان سيحمل مسئولية إعدام أكثر من ألف مواطن في عامين فقط .

واعتبر سلطان عودة أحكام الإعدام الجماعية ومنها قرار إحالة أوراق 75 متهما بالأمر المحزن مطالبا بإعادة النظر في فكرة دوائر الإرهاب بل إعادة النظر في فكرة أحكام الإعدام ولو مؤقتا في ظل التجاذبات السياسية العنيفة، مستشهدا على ذلك بأنه من الواضح أن الاجتهادات في الأحكام فضفاضة بشكل كبير، فهناك من يحكم بإعدام مائة وثمانين مواطنًا وهناك من يحكم بتبرئتهم أو إلغاء حكم إعدامهم والحكم على بعضهم بأحكام أخرى مخففة، فأن تخطئ في تبرئة أو تخفيف حكم ألف شخص خير من أن تتورط في دم شخص واحد بريء.

موضوع المصالحة:

وحظيت تصريحات السيسي خلال مؤتمر الشباب بجامعة القاهرة عن المصالحة باهتمام من جانب الصحف حيث أشارت إليها مانشيت الأهرام والشروق واليوم السابع واستخدمت عبارات (نعمل على مواجهة الإرهاب دون مصالحة مع أى طرف/ نقف أمام الفكر المتطرف بمنتهى القوة والشجاعة لحماية الدولة والدين/لم يكن هناك تآمر لإسقاط النظام السابق/الجيش لم يتآمر على النظام السابق/لن أقوم بمصالحات/القوات المسلحة لا تتآمر على أحد وتدخلت فى 2013 لحماية الدولة والأمن القومى/مستمرون فى المجابهة/”من يريد أن يعيش بيننا بأمان وسلام فهو مصرى مثلنا”/”لا بنعمل اتصالات ولا مصالحات”).

وهي تصريحات تؤكد على المضامين الآتية:

أولا الإصرار على المواجهة.

ثانيا، الرفض المطلق لفكرة المصالحة، فإحالة الأمر للمجتمع أو الشعب هو انعكاس لهذا الرفض؛ لأن المجتمع لن يخرج بأكمله ليعبر عن نفسه فهو بطبيعته منقسم كما أن المؤسسة التي يفترض أن تكون معبرة عنه (البرلمان) لا تمثله؛ لأنها جاءت عبر انتقاء دقيق من جانب المؤسسة الأمنية ولا تعبر مطلقا عن توجهات الشعب وتطلعاته ولا حتى تبياناته واختلافاته.

ثالثا لا مجال أمام عناصر الجماعة سوى الإذعان والتسليم وحل أنفسهم والتخلي عن أفكارهم.

رابعا، تبرئة نفسه والجيش من الغدر والخيانة على الرئيس مرسي وهو ما أسماه بالنظام السابق، وهي التصريحات التي تكررت كثيرا على لسان السيسي في مواضع وأزمنة مختلفة؛ ما يعكس إلحاح هذه التهمة على ذهنه باستمرار. وربما تكون هذه التصريحات بالذات محاولة للرد على التقرير الخطير الذي نشرته “نيويورك تايمز” وأعده مدير مكتبها السابق بالقاهرة “كير كبرياتيك” والتي توثق خيانة السيسي مع الأمريكان والخليج وإسرائيل للانقلاب على الرئيس مرسي.

لكن هناك تفسيرًا آخر لهذه التصريحات ورد في تقرير لموقع “عربي 21″ بعنوان : (بعد حديث السيسي عن المصالحة .. هل يرفضها أم يسعى لها؟) فالسيسي يصر على إحالة الموضوع للشعب ففي تصريحات أمس قال عن المصالحة إنها ستكون وفقا لإرداة مجتمعية وليس مبادرة من الرئاسة”. وفي شباط/ فبراير 2018 أكد السيسي، في مقابلة مع قناة “فرانس 24” أن إجراء مصالحة في فترة حكمه مع جماعة الإخوان المسلمين، “قرار الشعب” وليس قراره. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2017، خلال مؤتمر الشباب بشرم الشيخ، علق السيسي على إمكانية المصالحة مع جماعة الإخوان حاليا، قائلا: “مش هقدر آخد فيها قرار لوحدي، دا قرار دولة”.

الموقع رصد حتى نهاية أيار/ مايو 13 مبادرة سياسية منذ انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013 وعقب فض اعتصامي “رابعة العدوية والنهضة”، التي كان آخرها مبادرة “الوفاق الوطني” للدبلوماسي المصري، المرشح الرئاسي الأسبق، السفير عبدالله الأشعل.

وينقل التقرير عن رئيس لجنة الشؤون العربية والدفاع والأمن القومي بمجلس الشوري السابق، رضا فهمي، عن سعي السيسي لفتح باب المصالحة، على عكس ما يدعي، قائلا: “لا أذيع سرا إذا قلت إنه على مدار الشهرين الماضيين جاء بعض الأشخاص أحدهما رئيس تحرير صحيفة مصرية شهيرة، والآخر سياسي سعودي كان موضوعهما الجلوس إلى الطاولة، والذهاب للمصالحة ليس مع السيسي فقط، ولكن مع المحور الأمريكي بالمنطقة التي تتصدره أمريكا والسعودية ومصر وإسرائيل والإمارات”.

مضيفا لـ”عربي21″: “وقالوا إنه ليس أمامكم خيار سوى التحدث مع الأنظمة الموجودة، وإيصال تطمينات لها، وهو طلب غريب إذ كيف يُطلب ممن وقع عليهم الظلم أن يقدموا تطمينات لمن أتوا على ظهر الدبابة ودعم إسرائيلي وخليجي”، مشيرا إلى أن “أكثر ما يؤرق السيسي هو فكرة المشروعية”.

وأردف قائلا: “السيسي يعرف جيدا أنه محل تشكيك وانتقاص من أطراف عدة، وكان يعتقد أن القبضة الأمنية قد تدفع الناس اتجاه السعي نحو المصالحة، وهو مالم يحدث، لكن في حقيقة الأمر السيسي هو من يسعى لها بشكل حثيث، ولكن من وراء ستار”.

لكن الدكتور طارق الزمر يرى أن بقاء السيسي مرهون باستمرار الصراع والصدام، وأنه يسعى لقطع لطريق على أي مصالحة سياسية أو مجتمعية؛ لأنها تقوض مبررات سلطاته، كما أنها تنهي أسباب دعمه من قبل الأطراف الإقليمية والدولية الداعمة”. مطالبا بالاهتمام بالحل السياسي ووصفه بالخيار الإستراتيجي مدللا على ذلك بأن تعقيدات المشهد المصري تحتمه، لكن ظروفه لم تنضج بعد”.

أما الدكتور أشرف عبدالغفار فيتفق مع الزمر على أن مشروعية السيسي قائمة على الصدام ويسوق نفسه باعتباره الرجل الذي يحارب الإرهاب ويواجه خطر الإخوان وعلى هذا الأساس حظي بدعم وافر من الخليج. لكنه يرى أن “السيسي يتعرض لضغوط دولية للمصالحة تسعى فيها دول غربية مثل بريطانيا وألمانيا من جهة وأمريكا من جهة أخرى عبر السعودية، ليس حبا في الإخوان ولا تعاطفا معهم، ولكن لأن الغرب مقدم على إتمام صفقه القرن، وأن المصالحة هدفها ابتزاز الإخوان والهدف من ورائها هو القضاء على أي معارضة للصفقة وأن يلتزم الإخوان الصمت مقابل خروج قيادتهم من السجون.

أمريكا والإخوان:

نشر موقع ساسة بوست مقالا للكاتب علي درة بعنوان (هل تصنف أمريكا الإخوان منظمة إرهابية؟) يرى أنه رغم تعهد ترامب بإعلان الجماعة تنظيما إرهابيا خلال ترشحه إلا أن الولايات المتحدة هي دولة مؤسسات، وحيث إن قرارًا مثل هذا يحتاج معرفة رأي البنتاجون والمخابرات والخارجية، فضلًا عن استشارة مراكز الدراسات المعنية بالأمر؛ وذلك لدعم اتخاذ القرار (thinking bank)، بعد دراسة رأي هذه المؤسسات، يبدأ بعد ذلك تحديد المسار الذي سيسلكه متخذ القرار، وهناك مساران لذلك:
المسار الأول: من خلال الكونجرس باعتبارها جهة تشريع؛ حيث يقدم مشروع قانون اعتبار الإخوان منظمة إرهابية، ويتم العرض على اللجان المختصة، ثم التصويت في الجمعية العامة، وقد تقدم عدد من النواب بمشروع قانون لذلك، لكنه عرض على لجان فرعية للنقاش، ولم يتم عرضه أو التصويت عليه في الجمعية العامة للكونجرس.

المسار الثاني: أن يصدر الرئيس «ترامب» قرارًا بعد استشارة وزيري الخارجية والمالية، باعتبار جماعة الإخوان المسلمين منظمة إرهابية، وهذا المسار الذي استعمله الرئيس الأمريكي السابق «كلينتون» عندما أعلن حركة حماس منظمة إرهابية عام 1995.

وبالنظر إلى حالة جماعة الإخوان المسلمين نجد أن الخارجية الأمريكية خاصة في عهد الوزير السابق «تيلرسون» والمخابرات والبنتاجون لديهم تحفظات على قرار اعتبار الإخوان منظمة إرهابية لعدة أسباب؛ أهمها وجود أفراد من جماعة الإخوان يشاركون بشكل أو بآخر في مؤسسات الحكم في عدد من الدول، مثل الأردن والمغرب والجزائر وتونس، وكذلك دول ترى أن الإخوان باعتباره كيانًا سياسي وصل إلى الحكم بوسائل ديمقراطية مشروعة، وأن تصنيفه كيانًا إرهابيًا غير مفيد بل قد يكون ضارًا مثل تركيا وقطر، كما أن هناك دولًا أوروبية تدعو للتعامل مع الإخوان باعتباره كيانًا يمثل تيارًا وسطيًّا ويجب الدفع نحو ذلك مثل بريطانيا التي شكلت لجنة لدراسة ملف جماعة الإخوان.

وأوصت بعدم اعتباره كيانًا إرهابيًّا؛ وبالتالي فإن مسألة إدراج الإخوان باعتباره منظمة إرهابية ليس في صالح تعامل الولايات المتحدة مع هذه الدول وغيرها، وكذلك في الداخل الأمريكي توجد بعض المنظمات والجمعيات التي لها علاقة بالإخوان، ولا توجد أي تقارير موثقة تثبت أن لها علاقة بالإرهاب؛ وبالتالي التصدي لهذه المؤسسات داخل أمريكا سيكون له تأثير سلبي على الداخل الأمريكي.

ويتبقى هنا سؤال هل سيتم إلغاء هذا الأمر من أجندة الرئيس «ترامب»؟ الإجابة عن هذا السؤال بالقطع لا، فكل مَنْ يعرف شخصية هذا الرجل يعلم أنه صاحب القرارات المفاجئة والمواقف المتناقضة؛ ولذلك تبقى احتمالات اتخاذ هذا القرار هي 50%، ويبقى الواقع السياسي داخل الولايات المتحدة وخاصة الضغوط التي يتعرض لها «ترامب» في ملف تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وكذلك الوضع الإقليمي والدولي لسياسة الولايات المتحدة هي المعيار المرجح لاتخاذ هذا القرار من عدمه.

ويتبقى أيضًا لدى الولايات المتحدة الأمريكية خيارًا مطروحًا، إذا أصرت على تصنيف جماعة الإخوان جماعة إرهابية، أن يكون هذا التصنيف للجماعة داخل مصر فقط، وبذلك يكون «ترامب» قد أنجز ما وعد به في أجندته الانتخابية، وتتعامل الولايات المتحدة مع الدول ذات العلاقة مع الإخوان بلا حرج، حيث إن القرار يكون للجماعة داخل مصر فقط.

ويرى الكاتب أنه على الجماعة إعادة طرح نفسها، والتعريف بها، وإعلان فكر الجماعة الوسطي الذي أسسه الشيخ «حسن البنا»، وطرح رأي الجماعة في مسألة التغيير السلمي بالوسائل الديمقراطية، ورأي الجماعة بوضوح في نبذ كل أعمال العنف والإرهاب، وآليات التعامل مع الآخر، والموقف من الحكومات والشعوب الغربية، ورأي الجماعة في قضية الحريات، والمرأة، ومسألة الخلافة، والرد على كل ما يقلق الغرب وغيره من أفكار قد تنسب للجماعة، وتسويق ذلك جيدًا في كل بلاد العالم، قد يقول البعض إن موقف الجماعة واضح في كل ذلك، وهذا صحيح لكن الغرب ليس لديه الوضوح الكافي والمعلومات الكافية عن جماعة الإخوان، إذا أحسنت الجماعة عرض ذلك، وبأدوات يفهمها الغرب؛ فلا شك أن مسألة التهديد باعتبار الإخوان منظمة إرهابية ستتحول من تهديد إلى فرصة، ومن شيء سلبي متوقع إلى شيء إيجابي ملموس وواقع، وحين ذلك نقول حقًا، رُبّ ضارة نافعة.

Facebook Comments