سلّطت صحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية الضوء على التنكيل الذى جرى مؤخرا بحق أسرتين معارضتين للنظام العسكري، وهما عائلة الناشط محمد سلطان الذي رفع دعوى قضائية يتهم فيها أول رئيس لحكومة الانقلاب حازم الببلاوي والمقيم حاليا في أمريكا كأحد الموظفين الكبار لصندوق النقد الدولي، بتعذيبه أثناء اعتقاله بعد الانقلاب. والأسرة الثانية هي أسرة الحقوقي الراحل واليساري البارز سيف الإسلام حمد، الذي أفنى عمره في الدفاع عن حقوق الإنسان ولم تجرفه الأيديولوجيا نحو التعصب والانحياز، وبقي يدافع عن الإنسان باعتباره إنسانا بعيدا عن التصنيف والتعصب.
أما آل سلطان، الذين يقبع عميدها الدكتور صلاح سلطان في سجون الانقلاب منذ 2013م، فقد اعتقلت قوات الانقلاب عددا من أقاربهم لإجبار الناشط محمد سلطان على سحب دعواه ضد الببلاوي، وتنقل الصحيفة البريطانية تصريحات سلطان الذي كان والده وكيلا لوزارة الأوقاف بحكومة الثورة، ويقبع في السجن منذ 7 سنوات: "قمع السيسي يهدف إلى تحقيق الردع. ستتلقى الظلم وسوء المعاملة وستصمت". مضيفا أن تفشي وباء "كورونا" أصبح ذريعة لتمديد حملة القمع التي بدأت العام الماضي، حيث تجرأ النظام مع شعوره بأن العالم الخارجي مشتت بسبب الوباء.

أما عائلة سيف، فقد اعتقلت سناء (26 سنة) شقيقة الناشط علاء عبدالفتاح الذي يقبع حاليا في سجون النظام وذلك في أعقاب اعتصام الأم ليلى سويف وابنتيها سناء ومنى من أجل استلام رسالة من علاء يطمئنون بها عليه في ظل تفشي جائحة كورونا في السجون، وكانت الأسرة قد تعرضت لاعتداءات من بلطجيات تابعات لجهاز الشرطة أمام منطقة سجون طرة. وهي الاعتداءات التي وقف ضباط وعناصر الشرطة يتفرجون عليها دون تدخل.. ما اعتبر برهانا على أنهن مدفوعات من الشرطة للتنكيل بالأسرة.

وتنقل "ف.تايمز" عن "حسين باعومي"، الباحث في منظمة العفو الدولية: "من المؤكد أننا نشهد زيادة في الاعتقالات، ليس فقط في الأرقام، ولكن أيضًا من حيث مكانة الأشخاص الذين تستهدفهم الحكومة". ويضيف «تدهورت حالة حقوق الإنسان في مصر بسرعة بعد أن قاد "السيسي"، وزير الدفاع السابق، انقلابًا في عام 2013 أطاح بـ"محمد مرسي"، أول رئيس منتخب ديمقراطيا في البلاد.
وبحسب الصحيفة البريطانية فإن السيسي ابتدأ موجة القمع بالإسلاميين ودبر بحقهم مذابح مروعة، وسرعان ما اتجه إلى النشطاء العلمانيين بعد ذلك موجها لهم ذات التهم التي توجه للإسلاميين. وفي الأسابيع الأخيرة، اتُّهم الأطباء الذين انتقدوا استجابة الحكومة لوباء "كورونا" وسلطوا الضوء على نقص المعدات الواقية، بـ"نشر أخبار كاذبة" و"الإرهاب"، وفقًا لما أفاد به ناشطون.

الرسائل والدلالات
أولى الرسائل أن النظام لا يزال مصرا على القمع والاضطهاد اتساقا مع البداية التي اغتصب بها السلطة حيث استخدم نظرية الصدمة والترويع وارتكب عشرات المذابح الوحشية من أجل تخويف الشعب الذي كان قد تخلص من قيود الخوف بثورة يناير.
ثاني الرسائل أن النظام على مدار سبع سنوات هي عمر الانقلاب العسكري المشئوم الذي أطاح بثورة يناير والمسار الديمقراطي الوليد في مصر خدمة لأهداف الصهيونية العالمية وحماية لمصالح الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل في مصر والمنطقة، نكَّل بآلاف الأسر المصرية في أبشع صور القمع والتنكيل الوحشي كما جرى مع عائلة البلتاجي حيث قتلت أسماء واعتقل أبوها وأخوها وهاجرت الأم وباقي العائلة إلى الخارج فرارا من ظلم واضطهاد العسكر. الأمر نفسه جرى مع عائلة الشاطر التي اعتقل الوالد وابنه الحسن وابنته عائشة وأزواج بناته ونهبت أموالهم وشركاتهم الضخمة. كما نهبت أموال آلاف الأسر والعوائل وفقد آلاف الأحباب فلم تشهد مصر ظلما واضطهادا كما تشهده منذ انقلاب 3 يوليو 2013م.
ثالثا، عمليات القمع والاعتقال لم تتوقف يوما، بل في تزايد مستمر كل يوم، ومنذ انتفاضة سبتمبر 2019م التي تزامنت مع فيديوهات المقاول محمد علي التي أكد فيها بالأدلة والبراهين حجم الفساد الضخم داخل المؤسسة العسكرية وأسرة السيسي نفسه، وجرى اعتقال الآلاف خلال الشهور الماضية خصوصا من الصحفيين والحقوقيين والأطباء. تقول "منى سيف "، شقيقة "علاء عبدالفتاح" و"سناء"، اللذين يقبعان في السجن الآن: "اعتقدنا بصدق أننا مررنا بالأسوأ مع السيسي، ولكن يبدو أن لديهم الكثير من الوقائع العنيفة الأخرى لنا، لا أعتقد أنني مررت بمثل هذه الأوقات الخانقة على العديد من المستويات."
رابعا، تعكس حملات الاعتقال المتواصلة حالة الهلع التي يعيش فيها السيسي ونظامه بعد الجرائم الوحشية التي ارتكبوها بحق الشعب كله، والإطاحة بثورة يناير والمسار الديمقراطي، ويعزز حالة الهلع والخوف لدى السيسي ونظامه أنه فشل في جميع الملفات حيث فرط في مياه النيل باتفاق المبادئ سنة 2015 بالعاصمة السودانية الخرطوم والذي شرعن به بناء السد. كما فرط في التراب الوطني وتنازل عن السيادة المصرية على جزيرتي "تيران وصنافير" للسعودية وهي الخطوة التي استفاد منها الكيان الصهيوني أكثر من الجميع وخسرت فيها مصر جزءا عزيزا من ترابها الوطني وموقعا استراتيجيا شديد الأهمية. كما فرط في بعض ثروات مصر بشرق المتوسط للصهاينة واليونانيين والقبارصة. وحتى المشروعات الكبرى ثبت بيقين أنها كانت وبالا على مصر وسحبت السيولة المادية، وكان من الأولى توجيه هذه الأموال الطائلة في مشروعات إنتاجية توفر فرص عمل دائمة وليست مؤقتة.
وتسبب السياسيات الاقتصادية في موجات غلاء فاحش ضاعفت معاناة المصريين وبخَّرت نصف مدخراتهم على الأقل وتضاعفت أسعار السلع والخدمات والرسوم بشكل مبالغ فيه، وما يبرهن على سوء الأوضاع أن 75% من موارد الموازنة تأتي من الضرائب وحدها؛ ما يؤكد أن ما يسمى بالإصلاح الاقتصادي هو مجرد وهم لا وجود له إلا في وسائل الإعلام والموالين للنظام. لهذه الأسباب سيبقى السيسي خائفا هلوعا من غضبة الشعب وسبتقى آلته الأمنية تواصل البطش والقمع والاضطهاد وستبقى مصر تنزف وتتراجع لأن أمة يتفشى فيها الظلم لن تنهض أبدا. فبالعدل وحده تحيا الأمم وليس بالشعارات الجوفاء والأكاذيب المنمقة والقتل والقمع والتنكيل.

Facebook Comments