أكَّدت صحيفة “ناشيونال بوست” الكندية أن خطة السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، المعروفة بـ”صفقة القرن”، والتي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 28 يناير الماضي، ماتت قبل أن تُولد، مشيرة إلى أنها خطة من طرف واحد، وأعلن الجانب الفلسطيني والعربي عن رفضها حتى قبل طرحها .

وقالت الصحيفة- في مقال نشرته اليوم الخميس للكاتب الكندي جيس كلاين- إن خطة ترامب لن تجد لها مكانًا، وإنها محكوم عليها بالفشل من قبل أن تغادر حتى بوابة البيت الأبيض .

وأشارت إلى أن سحب مجلس الأمن الدولي مشروع قرار يرفض خطة ترامب للسلام في الشرق الأوسط ليس انتصارًا للإدارة الأمريكية، وإنما محاولة لتجنيب ترامب المزيد من الحرج الذى يواجهه منذ إعلان خطته .

وأشاد الكاتب بموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس أثناء مناقشات مجلس الأمن، حيث قال مخاطبًا المجلس: “لقد جئت إليكم جميعا اليوم لتأكيد الموقف الفلسطيني الرافض للخطة الأمريكية الإسرائيلية. وأؤكد أيضا أنه لا ينبغي وضع هذا الاتفاق أو أي جزء منه مرجعا دوليا لمفاوضات جديدة”.

وأوضح أن “صفقة القرن لا تحقق المطالب المشروعة للفلسطينيين وتجامل الصهاينة، الدولة الفلسطينية محدودة على الأقل لبعض الوقت” .

نص المقال

احتفل البيت الأبيض بفوز بسيط يوم الثلاثاء الماضى، عندما سحب مجلس الأمن، التابع للأمم المتحدة، قرارًا يرفض خطة سلام ترامب في الشرق الأوسط، رغم أن كل عضو في المجلس، باستثناء الولايات المتحدة، نأى بنفسه عن الاقتراح. إذا كان هذا هو ما تعتبره الإدارة فوزًا، فمن الواضح أن اتفاق السلام الذي طال انتظاره للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن يسفر عن شيء، ولكن كان مصيره الفشل حتى قبل أن يغادر بوابة البيت الأبيض.

خلال النقاش الدائر حول القرار، أخبر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مجلس الأمن قائلا: “جئت إليكم جميعًا اليوم لتأكيد الموقف الفلسطيني الذي يرفض الاتفاق الأمريكي- الإسرائيلي  أؤكد هنا أنه من الضروري أن هذه الصفقة، أو أي جزء منها، لا يعتبر مرجعًا دوليًا للمفاوضات”.

كلينتون وترامب

لا ينبغي أن تكون مفاجأة أن خطة ترامب للسلام ماتت لدى وصولها، وعندما حاول الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون حل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مع اتفاقية أوسلو في عام 1993، وقف في حديقة البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إسحاق رابين، وزعيم منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، وكان لديه تصوير مماثل في كامب ديفيد مع عرفات ورئيس الوزراء آنذاك إيهود باراك في عام 2000.

فى حين أن ترامب عندما كشف عن تفاصيل خطته في نهاية شهر يناير، انضم إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، لكن عباس لم يكن موجودًا في أي مكان.

بأسلوب كلاسيكي، ترامب كان يعتبر خطته بأنها “صفقة القرن”. لكن الصفقة تتضمن بالضرورة طرفين، وهذا ما يفتقر إليه هذا الاتفاق الذى يحاول ترامب فرضه على الفلسطينيين دون إرادتهم ودون موافقتهم .

لكي نكون منصفين، لدى الفلسطينيين بعض المطالب المشروعة فى الوقت الذى تمهد فيه خطة ترامب الطريق لحل الدولتين، ستكون الدولة الفلسطينية محدودة، على الأقل لبعض الوقت، مع سيطرة إسرائيل الأمنية على المناطق. وهذا من شأنه أن يعزز مكانة القدس كعاصمة غير مقسمة لإسرائيل، مع إنشاء عاصمة فلسطينية في أبو ديس الواقعة في ضواحي المدينة.

كما ستمنح خطة ترامب إسرائيل السيادة على مستوطناتها في الضفة الغربية، التي اعتبرها نتنياهو ومنافسه السياسي، قائد الأزرق والأبيض، بيني جانتز، بمثابة ضوء أخضر لضم المستوطنات ووادي الأردن، دون اعتبار للفلسطينيين الذين يعيشون فيها.

دولة فلسطينية

ومع ذلك، توفر خطة ترامب العديد من الفوائد للشعب الفلسطيني. حيث سيسمح لهم بالانتقال بحرية بين الضفة الغربية وغزة، وهو أمر صعب للغاية، إن لم يكن مستحيلا القيام به اليوم. بجانب مضاعفة مساحة الأراضي الخاضعة حاليا للسيطرة الفلسطينية، ومنحهم الفرصة لتشكيل دولة تتمتع بالحكم الذاتي.

لكن لنكن واضحين: الفلسطينيون لن يقبلوا بهذه الصفقة بغض النظر عن تلك الفوائد؛ لأن الفلسطينيين غير مستعدين لقبول فكرة الدولة اليهودية في المنطقة وهم دائما يرفضون ذلك.

وتعود فكرة التقسيم إلى دولتين إلى عام 1947، عندما كانت خطة التقسيم التي وافقت عليها الأمم المتحدة قد خلقت دولتين، يهودية وعربية، منفصلتين على أن تكون القدس مدينة دولية محمية. قبل اليهود الخطة؛ لكن رفضها العرب بعنف، مما أدى إلى ما أسمته إسرائيل حرب الاستقلال، حيث هاجمت جيرانها في عام 1967، والتى أسفرت عن الاستيلاء على المناطق التي لا تزال قيد النزاع حتى اليوم.

بعد حرب الأيام الستة عام 1967، عقدت جامعة الدول العربية قمة واعتمدت قرارًا يحدد ما أصبح يعرف باسم “الثلاثة”: “لا سلام مع إسرائيل، لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات معها”. كان هذا الشعور واضحًا أثناء حرب أكتوبر عام 1973 وطوال المحاولات السابقة لحل النزاع في الشرق الأوسط في التسعينيات والألفينيات. ونظرا لأن عباس رفض خطة ترامب للسلام بـ”الألف لا”، فمن الواضح أنه لن يتغير شيء.

غرور أمريكي

لن يقبل الفلسطينيون هذه الصفقة أبدًا، إنها حقيقة واقعية أن كل رئيس أمريكي في الذاكرة الحديثة حاول حل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني فشل. كان هناك الكثير من الأمل عندما تم توقيع اتفاقيات أوسلو في أوائل التسعينيات، ولكن كما اعترف كلينتون في وقت لاحق، كانت تلك المفاوضات مبنية على فكرة أن عرفات كان مهتمًا بخلق سلام دائم. وأدت أعمال الانتفاضة التي أطلقها إلى مقتل 1000 إسرائيلي .

عُرض على عرفات مرة أخرى صفقة كان من الممكن أن تنشئ دولة فلسطينية في عام 2000، لكنه اختار مرة أخرى الشروع في انتفاضة بدلاً من محاولة إيجاد طريقة للعيش في سلام مع جيرانه.

في عام 2005، حاولت إسرائيل استرضاء الفلسطينيين بالانسحاب من جانب واحد من غزة، لكنها قوبلت فقط بالصواريخ القادمة عبر حدودها الجنوبية وتعمل حماس على تدميرها. وفي عام 2008، رفض عباس صفقة أفضل من الصفقة التي عرضت على عرفات قبل ذلك بثماني سنوات.

يعتقد ترامب أن لديه فرصة لحل الصراع، لكن بالنظر إلى تاريخ الصراع العربي الفلسطيني، يدل هذا التفكير على عمق غرورهK رغم أن كثيرين يؤمنون بفكرة أن الصراع في الشرق الأوسط وضعٌ لا يربح فيه أحد.

قبل خمسة عشر عامًا، كانت خطة سلام كهذه قد قوبلت بقصص لا تحصى من التفاؤل في وسائل الإعلام حول احتمالات إنهاء النزاع الطويل. هذه المرة، لكن لم يتم التوصل الى شيء.. وكشفت استطلاعات رأى في إسرائيل، عن أن هناك إجماعا متزايدًا على أن حل الدولتين غير عملي، وأكد استطلاع فى عام 2018 أن تأييد مثل هذه الفكرة انخفض إلى 43 في المائة بين اليهود وعرب 48 .

Facebook Comments