هل هناك صراعات داخل الفرق الأمنية التي تدير الإعلام؟ لماذا تم القبض على الضابط ياسر سليم الرجل الثاني في “إعلام المصريين” التابعة للمخابرات، والذي كان له دور كبير في إدارة ملف الإعلام بعدما كان ملء السمع والبصر؟ هل كانت أزمة “مدى مصر” الأخيرة كاشفة بوضوح لوجود أكثر من جهاز يعمل الآن على ملفات الصحافة والإعلام ولكن بطرق مختلفة ومتضاربة، وقد يكون هناك تداخل وتعارض بينهم في حالات معينة في الوقت نفسه؟ هل يعلم أحد من الذي قرر التصعيد ضد مدى مصر ومن الذي قرر لاحقا التراجع عن تلك الهجمة الأمنية؟.

وجاء إلقاء أجهزة أمنية القبض على المنتج ياسر سليم، يوم الجمعة الماضي، بدعوى إصدار سليم لعدة شيكات بدون رصيد بنكي صدر على إثرها إذنٌ من النيابة العامة بالقبض عليه، ليطرح علامات استفهام أكبر.

وكان ملفتًا أكثر في تغطية صحف الانقلاب لخبر القبض على نائب رئيس مجلس إدارة إعلام المصريين “تجريسه” وتصويره وهو داخل “بوكس” الشرطة، على غرار ما فعلوه من قبل مع رجل الأعمال “صلاح دياب”، صاحب جريدة المصري اليوم، لإخضاع جريدته للخط الإعلامي للانقلاب!.

وكان سليم هو الرجل الثاني بعد تامر مرسي في السيطرة على مجالي الإعلام والدراما، خلال العامين الماضيين. وتصدر سليم ومرسي، الضابطان السابقان بالمخابرات العامة، المشهد الإعلامي والدرامي منذ بداية 2017، بوصفهما مالكين لغالبية المؤسسات الإعلامية، ومحتكرين لسوق الإنتاج الدرامي في مصر.

وترأس مرسي، في بداية 2018، مجلس إدارة شركة إعلام المصريين، التي كانت تمتلك وقتها شبكات قنوات «أون ON» و«الحياة» وإدارة راديو النيل وموقع وجريدة «اليوم السابع»، وتسهم في مجالات الإنتاج والإعلان والعلاقات العامة والتسويق الرياضي وخدمات الإعلام الرقمي.

وعيَّن مرسي في يوليو 2018 “سليم” نائبًا له، وأسند له رئاسة مجموعة قنوات الحياة وقناة العاصمة وراديو drn، غير أن موقع «اليوم السابع» ذكر، في أبريل الماضي، أن تلك المؤسسات لم تعد تابعة لشركة إعلام المصريين وإنما لشركة «إيجيبت ميديا» برئاسة سليم.

أما مرسي، فإلى جانب امتلاكه لمجموعة إعلام المصريين، أصبح يترأس الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية التي تضم تحت لوائها «إعلام المصريين» وقنوات «on» و«الحياة»، وصحف ومواقع «اليوم السابع» و«صوت الأمة» و«عين»، وكذلك إدارة شبكة راديو النيل، وعدة شركات مثل «برزنتيشن» و«سينرجي» (المملوكة لمرسي)، و«إيجل كابيتال» التابعة لصندوق استثماري تملكه المخابرات العامة، إضافة إلى مجموعة المستقبل المالكة لقنوات «cbc»، ومجموعة «دي ميديا» المالكة لقنوات «dmc»، و«الناس»، وصحف «الوطن»، و«الدستور»، وموقع «مبتدا»، وراديو «9090» كذلك.

لماذا انسحبت الإمارات؟

الخبر الأكثر إثارة كان استمرار تصفية النفوذ الإعلامي الإماراتي في مصر، والذي انتعش في عهد الرئيس الشهيد مرسي، وجرى إغراق مصر بملايين الدولارات لتشويه حكم مرسي ودعم حركة تمرد والتمهيد للانقلاب، ثم اصطدم برغبة المخابرات المصرية في السيطرة على الإعلام مباشرة عقب انقلاب 3 يوليه 2013، فبدأ الانسحاب تدريجيًّا.

أحدث صور هذه التصفية للنفوذ الإماراتي في الإعلام المصري هو الانسحاب من تمويل قناة TEN التي يطلق الانقلاب أبواقه منها على أي معارض في برامج نشأت الديهي وغيرها. فقد كشفت مصادر مسئولة بقناة Ten لموقع “مصراوي” عن أن القناة ستنهي البث وتغلق أبوابها مع نهاية العام الحالي، وأبلغت القناة إدارة النايل سات بذلك!.

المصادر قالت إن هذا القرار جاء من مالكي القناة الإماراتيين؛ بدعوى “أن القناة أدت واجبها على أكمل وجه خلال الفترة الماضية، وليسوا في حاجة لاستمرارها خلال الفترة المقبلة!”.

ومعروف أن الإمارات أسندت إدارة القناة للمذيع المقرب منها عمرو عبد الحميد، ونشأت الديهي، وغلق القناة الآن يثير تساؤلات حول الصراع بين ما تبقى من نفوذ الإمارات في إعلام الانقلاب والعسكر الذين باتوا يسيطرون مباشرة على الإعلام، سواء من المخابرات العامة أو الحربية.
وسبق هذا قطع الدعم عن صحيفة البوابة، التي أسندوا إدارتها إلى الصحفي اليساري عبد الرحيم علي، ما اضطر عبد الرحيم لتقليل النفقات وفصل عشرات الصحفيين، ويأتي هذا بعد انقطاع التمويل الإماراتي لعدد من الصحف. ومعروف أن “البوابة” تأسست عام 2013.
وقد أكدت صحيفة الأخبار اللبنانية، المقربة من حزب الله، أن الحكومة الإماراتية تتجه نحو الانسحاب التدريجي من سوق الإعلام المصري، بسبب خلافات حادة وصراعات مع المخابرات حول السيطرة على إعلام الانقلاب.

ويقال إن القرار الإماراتي يأتي للضغط على سلطة الانقلاب؛ بسبب استمرار التضييق الإعلاني وتوجيه المعلنين إلى وضع إعلاناتهم على شاشات الدولة حصرًا، بالإضافة إلى رغبة الأجهزة الأمنية في تماهي القناتين مع المحتوى المُقدَّم على الشاشات التي تديرها المخابرات من دون إنفاق جنيه واحد عليها.

نصيحة بإبعاد “عباس”

وهناك أنباء عن نصيحة إماراتية بإبعاد شخصيات محدّدة من إدارة المشهد الإعلامي، ولا سيما مدير المخابرات العامة اللواء عباس كامل، ومدير مكتبه المقدّم أحمد شعبان، إلى جانب إبعاد نجل الرئيس محمود السيسي، فضلًا عن التحقيق في إهدار أكثر من مليار جنيه حصلت عليها الأجهزة المصرية كمنحة إماراتية لإطلاق شبكة (dmc) التي تضمّ ستّ قنوات، ولم تُطلَق منها سوى قناتين توقفت إحداهما بعد أشهر.

وكانت القناة الثالثة (أخبار) (dmc) التي كانوا يعولون عليها لمنافسة الجزيرة، ظلّ العاملون فيها يتقاضون رواتبهم على مدار عامين من دون الظهور على الهواء، قبل تسريح بعضهم أخيرًا، ودمج البقية مع قنوات أخرى عقب استحواذ (مجموعة إعلام المصريين)، المملوكة بالكامل للمخابرات، على (dmc)، وهو استحواذ شكلي كان هدفه توحيد الإدارة فقط.

وقالت الأخبار، إن المخابرات العامة المصرية حصلت على الأموال الإماراتية إبّان صراعها مع المخابرات العسكرية، أي عندما كان اللواء خالد فوزي يتولى إدارة العامة، وكامل يتولى إدارة مكتب الرئيس، في المدة التي تلت صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، قبل أن ينجح الأخير في إقصاء فوزي، ثم توحيد التوجهات تحت راية واحدة للعامة التي انتقل إليها كامل وأعاد هيكلتها، واليوم يواجه وفريقه تهمًا مشابهة بالفساد المالي.

وختمت الأخبار بأن هذه المرة تبدو إدارة ملف الإعلام بيد مكتب السيسي، وتحديدًا اللواء محسن عبد النبي، الذي يجري تصعيد أسهمه بهدوء باستغلال الأخطاء التي وقع فيها كامل وشعبان، مع فارق متمثّل في أن عبد النبي لا يدخل في الصراعات والملفات بقدر ما تحال إليه، على العكس من عباس الذي كان يفرض تدخلاته باعتبارها توجيهات رئاسية، وهو ما زاد نفوذه بصورة غير مسبوقة لأيّ مسئول في دائرة السيسي.

Facebook Comments