“البابا تواضروس يصادق على قرارات ‘ثورية’ بالأديرة بعد استشهاد الأنبا أبيفانيوس” .. عنوان خبر نشرته الصحف يوم الخميس 2 أغسطس 2018، حمل 12 قرارا أصدرتها “لجنة الرهبنة وشئون الأديرة بالمجمع المقدس” برئاسة البابا تواضروس، بهدف ما قيل إنه “انضباط الحياة الرهبانية والديرية”، جاء ليؤكد تصاعد الصراع بين “الحرس القديم”، تيار البابا الراحل شنودة القديم المتزمت، و”تلامذة متّى المسكين” الذين يتزعمهم البابا الحالي تواضروس، ويبدون انفتاحا على كنائس أخري خاصة الفاتيكان يرفضها المحافظون.

ويبدو أن جريمة قتل الأنبا أبيفانيوس أسقف ورئيس دير القديس أبو مقار بوادي النطرون، المحسوب علي “تيار المجددين” والقريب من البابا تواضروس، له علاقة بهذا الصراع مع تلامذة متي المسكين، بدليل أن 9 من قرارات تواضروس الأخيرة من بين 12 قرارا تشير ضمنا لهذا الصراع، ولكن لن يتم الإفصاح عن القاتل وقد يصدر قرار بمنع النشر، خشية إحراج الكنيسة والسيسي.

فمن دلائل قتل الأنبا أبيفانيوس علي أيدي متشددين من تيار شنودة، كما يقول أقباط، تعرضه للهجوم في مايو الماضي 2018 من قبل بعض الصفحات التي وصفته بأنه «منحرف عقائديا».

ومنها قول راهب قبطي لموقع “عرب بوست” أن “ما حدث للأنبا أبيفانيوس هو اغتيال بأيدٍ قبطية، وليست عملية إرهابية، لأن هناك انقساما عنيفا جداً داخل الكنيسة”، وأن “الأنبا أبيفانيوس اتقتل بدم بارد” حيث ضُرب أثناء توجهه صوب الكنيسة لإقامة صلاته الصباحية، وأن محاولات جرت للطرمخة على الحادث.

ويبدو أن الهدف من محاولات عدم إبلاغ الشرطة في البداية جاءت كي لا يؤثر على مصداقية الكنيسة، ولكن البابا تواضروس قرر إبلاغ الشرطة، لأن المقتول من أنصاره، وإعلان النبأ قد يكون فرصة للتخلص من باقي تيار شنودة أو مزيد من تحجيمه.

قصة الصراع بين المحافظين والمجددين

قبل شرح تفاصيل ما جري في جريمة وادي النطرون من المهم شرح طبيعة الخلافات والصراع بين المحافظين والمجددين.

فعلي رغم مرور 12 سنة على رحيل الأب متى المسكين، و5 سنوات على رحيل البابا شنودة الثالث عن عالمنا، إلا أن واقعة قتل راهب وادي النطرون، أعادت إخراج الصراع الفكري واللاهوتي الذي كان بينهما طيلة 40 عاما من القبر، وأظهرت أن الصرع داخل الكنيسة ومعارضة رهبان كثر للبابا الحالي ليست امرا هينا، وأن الصراع بين النهجين المختلفين عبر تلاميذ وأتباع كل منهما دائر خلف اسوار الكنيسة.

وكان الأب “متى المسكين” يمثل محاولة التجديد داخل الكنيسة، بالاعتماد على الدراسة عبر كتابات آباء الكنيسة الأوائل حيث كان يعرف اللغة اليونانية ويترجم عنها مباشرة، وأصبح له تلاميذ وأتباع يتبعون نهجه.

بيد أن خليفته البابا شنودة كان من التيار القديم المتزمت الرافض لأي تجديد في تعاليم الكنيسة حتى ولو أدت لخروج أقباط أرثوذوكس من الكنيسة لكنائس أخري، بسبب رفضهم منع الكنيسة للطلاق وقضايا أخري كهنوتية.

ولأن البابا الحالي من أنصار “متي المسكين” فقد قدم العديد من التنازلات الدينية للأقباط في قضايا دينية مثل الطلاق، وزار اسرائيل لأول مرة مخالفا نهج شنودة، وقام بتوقيع اتفاق 28 أبريل 2017 مع بابا الفاتيكان ينص على “عدم إعادة سر المعمودية”، بما يعني سهولة تنقل أي مسيحي بين الكنيستين، ما أغضب تيار شنودة عليه بشدة.

وظهرت هذه الخلافات حتى بعد رحيل شنودة والمسكين، في صورة صراع تظهر من حين لآخر من تحت السطح في عدة صور، كما حدث بين الأنبا أنجيلوس أسقف عام شمال شبرا والأنبا رافائيل حول “الرمزية في قصة آدم وحواء بالكتاب المقدس”.

فالصراع كان بالتالي بين اتجاه «التنوير والتحديث والمراجعة والمأسسة» ويمثله البابا تواضروس بنفسه، الذي الغي ديكتاتورية شنودة السابقة وأسس نهجا يقوم على تداول السلطة في المواقع الإدارية الهامة، ووضع قواعد إدارية لأمور عديدة كانت مصدر خلافات، وأعاد رهبانا أبعدهم شنودة ورجاله، وعاد بعضهم لكرسيه مثل الأنبا تكلا أسقف دشنا والأنبا إيساك الأسقف العام.

أيضا أبعد تواضروس كل الطامعين والمتصارعين على الكرسي البابوي في زمن البابا شنودة، وبعضهم كانوا أساقفة إبروشيات، ما اغضبهم، وكان هناك جانبان أحدهما يمثله أنبا يؤانس سكرتير البابا شنودة وفي صفه بعض أساقفة الصعيد، والجانب الآخر الأنبا بيشوي مطران دمياط ومعه الأنبا إرميا سكرتير البابا شنودة، وبعض الأساقفة في الدلتا.

هل قتل “أبيفانيوس” رسالة لـ “تواضروس”؟

يبدو أن قتل الأنبا أبيفانيوس يحمل رسالة ضمنية إلى البابا تواضروس علي رفض توجهاته الاخيرة خاصة التعاون مع الكنائس الإنجيلية فيما يخص أمورا عقائدية تعد تنازلا من الكنيسة الأرثوذوكسية.

فالأنبا أبيفانيوس، قال عنه البابا تواضروس أنه كان يستشيره في كثير من أموره ؛لأنه أحد أبرز فريق المجددين الذي يضم البابا تواضرس شخصياً، ويتهمه تيار التشدد التابع لشنودة بأنه “كافر”، ويضم هذا التيار الذي يخرج عن كثير

من تعاليم الكنيسة القديمة، مع تواضروس أيضاً، الأنبا رافائيل أسقف وسط القاهرة وسكرتير المجمع المقدس، والأنبا أنجيلوس الذي أرسله تواضروس إلى أميركا لحمايته هو وآخرين خشي عليهم البابا فأرسلهم لأميركا.

ويقف التيار المحافظ أو المناهض للتجديد والمراجعة التيار الآخر خلف لافتة «إننا أبناء البابا شنودة حامي الإيمان»، ويمثله مجموعة من الأساقفة القدامى، المرسومين في عهد البابا الراحل، يجمعهم موقفهم المناهض للكنائس الأخرى، كما يهاجمون أي خطوة يتخذها البابا كما حدث بالبيان الذي أصدره أنبا أغاثون، مطران مغاغة والعدوة، الذي أصدر بيانا حول المعمودية غير القانونية للكنيسة الكاثوليكية، لرفض خطوة إعلان عدم إعادة المعمودية بين الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية وقت زيارة بابا الفاتيكان لمصر إبريل 2017.

كما تهاجم الصفحات التابعة لهذا التيار أي تحرك للبابا مثلما حدث بالهجوم عليه وقت زيارة السويد، أو عندما استخدم مكونات زيت الميرون جاهزة التحضير، بدلا من محاولة تحضيرها بالطرق التقليدية غير المجدية كما كان يحدث سابقا.

قرارات تواضروس تؤكد الصراع

في ضوء حادثة قتل راهب وادي النطرون، أصدر البابا تواضروس 12 قرارا تبدوا اغلبها انعكاس للصراع بين تياري الكنيسة وهي على النحو التالي:

1-  وقف رهبنة أو قبول أخوة جدد في جميع الأديرة القبطية الأرثوذكسية داخل مصر لمدة عام يبدأ من أغسطس 2018 (القرار يبدو محاولة لتحجيم نفوذ المتشددين والسيطرة على الوضع الداخلي).

2-  الأماكن التي لم توافق البطريركية على إنشائها كأديرة سيتم تجريد من قام بهذا العمل من الرهبنة والكهنوت والإعلان عن ذلك، مع عدم السماح بأي أديرة جديدة إلا التي تقوم على إعادة إحياء أديرة قديمة، ويتم ذلك من خلال رعاية دير معترف به عامر (القرار يبدو موجها لتيار شنودة الذي يصر على التصادم مع الدولة وبناء الكنائس غير المرخصة).

3-   تحديد عدد الرهبان في كل دير بحسب ظروفه وإمكانياته وعدم تجاوز هذا العدد لضبط الحياة الرهبانية وتجويد العمل الرهباني (نوع من أنواع السيطرة على حجم انتشار تيار شنودة في الأديرة خصوصا).

4-  إيقاف سيامة الرهبان فى الدرجات الكهنوتية (القسيسية والقمصية) لمدة ثلاث سنوات (لمنع تقدم وترقية المنتمين لتيار شنودة).

5-  الالتزام بعدم حضور علمانيين على الإطلاق في الرسامات الرهبانية لحفظ الوقار والأصول الرهبانية الأصيلة (قرار لإرضاء المتشددين من تيار شنودة).

6-  تستقبل الأديرة الزيارات والرحلات طوال العام باستثناء فترة صوم الميلاد والصوم الكبير، فتكون أيام (الجمعة والسبت والأحد) فقط من كل أسبوع، والتحذير من زيارة الأماكن غير المعترف بها، وهي مسئولية الأبرشيات والكنائس.

7-  الاهتمام والتدقيق بحياة الراهب والتزامه الرهباني داخل الدير، واهتمامه بأبديته التي خرج من أجلها ودون الحياد عنها (بهدف مراقبة رهبان من التيار المتشدد).

8-  كل راهب يأتي بالأفعال التالية يعرض نفسه للمساءلة والتجريد من الرهبنة والكهنوت وإعلان ذلك رسميًا:

أ‌-الظهور الإعلامي بأي صورة ولأي سبب وبأي وسيلة.

ب‌-التورط في أي تعاملات مالية أو مشروعات لم يكلفه بها ديره.

ج-التواجد خارج الدير بدون مبرر والخروج والزيارات بدون إذن مسبق من رئيس الدير.

9-  إعطاء الرهبان فرصة لمدة شهر لغلق أي صفحات أو حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي والتخلي الطوعي عن هذه السلوكيات والتصرفات التي لا تليق بالحياة الرهبانية وقبل اتخاذ الإجراءات الكنسية معهم.

ومعروف أن كثيرين من تيار شنودة لديهم صفحات تهاجم قرارت الكنيسة التي لا تعجبهم، حيث يقف في جانب التجديد والتطوير مجموعة من الأساقفة بعضهم قدامى مثل الأنبا دانيال سكرتير المجمع المقدس الحالي، وبعضهم جدد مثل الراحل أنبا أبيفانيوس، وأنبا أنجيلوس أسقف عام شمال شبرا وأنبا مقار أسقف الشرقية، وهؤلاء الأساقفة يتعرضون مع البابا لهجوم شديد على مواقع التواصل الاجتماعي من قبل التيار المضاد.

10-  لا يجوز حضور الأكاليل والجنازات للرهبان إلا بتكليف وإذن رئيس الدير بحد أقصى راهبين.

11-  مناشدة جموع الأقباط بعدم الدخول فى أي معاملات مادية أو مشروعات مع الرهبان أو الراهبات، وعدم تقديم أي تبرعات عينية أو مادية إلا من خلال رئاسة الدير أو من ينوب عنهم.

12-  تفعيل دليل الرهبنة وإدارة الحياة الديرية الذي صدر من المجمع المقدس فى يونيو 2013 ،وهي مسئولية رئيس الدير ومساعديه.

وقد صادق البابا على هذه القرارات باعتباره الرئيس الأعلى للأديرة القبطية الارثوذكسية.

Facebook Comments