يرى خبراء أنَّ هذا التصاعد المتجدد في الخليج ليس ملاكمة تنتهي بإعلان منتصر بعدد اللكمات، وإنما تبحث الولايات المتحدة على الظفر من طهران باتفاق نووي جديد يضمن لها مزيدا من التنازلات بأسلوب العصا والجزرة الذي لا تستجيب له إيران، وضمن سداد فاتورة استقرار "نوعي" تبحث عنه السعودية والإمارات.

وقال "براين هوك"، المبعوث الأمريكي الخاص بإيران: إن الرئيس دونالد ترامب على استعداد للحوار مع إيران بشأن اتفاق تُرفع بموجبه العقوبات الأمريكية، لكن يتعين على طهران الحد من أنشطة برنامجيها النووي والصاروخي، وكذلك دعمها لوكلاء لها في المنطقة.

ومباشرة حدد "هوك"، في لقاء مع الصحفيين الإثنين 23 يونيو، أن إيران إما أن "تجلس إلى الطاولة أو ينهار اقتصادها"، لكنه أحجم عن الخوض في تفاصيل العقوبات الأمريكية الجديدة المتوقع الإعلان عنها يوم الإثنين.

أما خطاب ترامب نفسه فكان موجهًا لأطراف تموّل وجود الأمريكان غير المخصص بالأساس لدعم تلك الأنظمة، فقال دونالد ترامب حول التوتر في مضيق هرمز: لماذا نحمي منذ سنوات طويلة مسارات السفن لدول أخرى دون مقابل؟، وحدد أن شرط العقد إذا دفعت السعودية والإمارات الفاتورة قائلا: إن واشنطن ستفرض عقوبات جديدة على إيران وذلك وسط تصاعد التوتر بين البلدين، مضيفا أن العقوبات، التي ستستهدف الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي، تأتي ردا على إسقاط طهران طائرة أمريكية مسيرة الأسبوع الماضي.

انشقاقات بالإدارة

وكشفت صحيفة "نيويورك تايمز" عن "وجود انشقاقات داخل الإدارة الأمريكية بين تيار يشجع الرد العسكري، ويتمثل بوزير الخارجية مايك بومبيو، ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وأيضا مديرة وكالة المخابرات المركزيةCIA  جينا هاسبيل، وتيار آخر يتكون من مسئولي البنتاغون المتخوفين من تداعيات الرد العسكري على قوى الجيش الأمريكي، وكذلك المصالح الأمريكية في المنطقة".

وقالت صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية، إن دونالد ترامب يناقض نفسه، فهو "يسعى من جهة إلى سحب قواته من الشرق الأوسط ومخاطره، وفقا لمقولة "أمريكا أولا"، وينتهج من جهة ثانية سياسة هجومية تتهدد إيران ويمكنها بالتالي أن تفضي إلى نزاع"، وقد خلصت "ليبراسيون" إلى أن "ترامب لا يريد الحرب لكنه قد يتسبب بها رغما عنه"، وفقا للباحث لدى جامعة لوفان الكاثوليكية "فانسان إيفلينغ".

الانسحاب المستحيل

ويرى خبراء أنه يصعب تصور انسحاب القوة العسكرية الأكبر في العالم من منطقة تنتج الأزمات واحدة تلو الأخرى، إضافة إلى احتوائها على أكبر احتياطي للنفط، وتوجد بها السعودية وإسرائيل، أهم حلفاء واشنطن، ووقوعها في قلب الصراع بين السنة والشيعة".

كما أن التأثير الإيراني في الملف السوري يحدد لترامب موقع تدخلاته، فالمأساة السورية وما تمثله من تهديد للأمن الدولي تحتم بقاء الولايات المتحدة في منطقة لم يسبق أن خدمت محاولات الانسحاب المتكررة منها مصالح واشنطن"، بحسب "اللوفيجارو" الفرنسية.

وليست سوريا وحدها، فإيران يمكنها أن تقوم بالتحرش ليس فقط بالسفن الإماراتية والسعودية بل والأمريكية من خلال شبكة مصالحها في العراق واليمن بل والبحرين، ذلك أن تصدير النفط هو متنفس الهواء للحكومة في طهران.

خيار الرد

وتتفاوت التقديرات بين صحيفة وأخرى وبين يوم واليوم الذي يليه، فرغم خدمة الأحداث للصمت الأمريكي، إلا أن ترامب قد يجد نفسه مجبرًا على الرد العسكري، فحرس الثورة لم يقبل يوما باتفاق فيينا النووي ويسعى لإغراقه بأي ثمن.

وقالت صحيفة "لوموند"، إن "إصرار طهران على توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها: "إنكم فرضتم علينا الحظر، ونحن نتألم جراء ذلك، لكنه ما زال بإمكاننا زرع الفوضى في مضيق هرمز واستدراجكم إلى حيث لا تريدون، أي إلى التصعيد العسكري"، كتب "فراشون" الذي رأى أن "ترامب باعتماده استراتيجية الضغوطات القصوى واستبعاده الطرق الدبلوماسية، أوقع نفسه في وضع يمكن أن يفقده ماء الوجه أو يجبره على الرد العسكري، وهو ما لا يريده.

ما تريده إيران

يقول "كليمان تيرم"، الباحث لدى "المعهد العالمي للدراسات الاستراتيجية"، إن الإيرانيين يعون أن ترامب عالق بين قاعدته الانتخابية المعادية للحرب ومستشاريه من الصقور، وهم بالتالي يريدون إفهامه أن عليه شراء السلام مع طهران إذا كان يريد فعلا أن يعاد انتخابه رئيسا".

"لوموند" اعتبرت بدورها أن نجاح صاروخ إيراني الصنع بإسقاط طائرة أمريكية يمثل انتصارا لـ"حراس الثورة"، ويبرر الاستمرار بتطوير المنظومة الجوية الإيرانية البالغة الكلفة."

فيما رأى خبراء أن "الرئيس المتهور أوصل العالم إلى منزلق خطير، وأنه بات عليه أن يختار بين الحرب أو الدبلوماسية في صراعه مع طهران". وقد أشار "سان بول" إلى أنه على ترامب تخفيف الحظر على النفط الإيراني كي يخرج من المأزق.

في السياق ذاته، قال مستشار للرئيس الإيراني حسن روحاني، إنه إذا أرادت الولايات المتحدة من إيران تقديم تنازلات تتجاوز بنود الاتفاق النووي المبرم عام 2015، فعليها تقديم حوافز تتجاوز تلك الواردة في هذا الاتفاق أيضا.

وتمثل التصريحات بادرة نادرة على أن إيران قد تبحث مع واشنطن تقديم تنازلات جديدة، لكن حسام الدين آشنا، مستشار روحاني، كرر موقف طهران بأنه من المستحيل إجراء محادثات ما لم ترفع واشنطن العقوبات التي أعادت فرضها بعد انسحابها من الاتفاق العام الماضي.

وكتب آشنا على تويتر: "العرض الأمريكي بإجراء مفاوضات دون شروط مسبقة غير مقبول في ظل استمرار العقوبات والتهديدات. إذا أرادوا شيئا يتجاوز خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) فعليهم تقديم شيء يتجاوزها".

Facebook Comments