مع موجة الاستقلال الوطني أوائل الخمسينيات والستينيات، بدأت النخب العربية في بناء ما تصورته دولة وطنية حديثة. ترافق مع ذلك وضع أسس الحكم السلطوي، بنكهاتٍ وصيغ مختلفة، تراوحت ما بين القومية والناصرية والوطنية التي وصلت أحياناً إلى حدّ الفاشية التي تقوم باستئصال كل من يخالفها أو يقف في طريقها. وباسم هذه الدولة، وتحت شعارات بنائها البرّاقة، وقعت مآس وكوارث وانقلابات من شرق العالم العربي إلى غربه. ساعد في ذلك الانقسام الإيديولوجي ما بين معسكرات رجعية وتقدميّة، وألهبه مناخ الحرب الباردة، والصراع الضاري بين المعسكرين الشرقي والغربي.

وكان الطغاة العرب الطرف الوحيد المستفيد من هذا الانقسام، إذ أُجّلت عملية الإصلاح السياسي، لحساب الصراعات والانقسامات الإيديولوجية داخلياً وخارجياً. وكانت الديمقراطية الضحية المسكوت عنها في كل هذه الصراعات، وهي التي اعتبرها بعضهم نوعاً من الترف الذي لا يجوز الحديث عنه، بينما الأمة في صراع وجودي مع خصومها، وخصوصاً إسرائيل. وكانت النتيجة المنطقية لهذه المعادلة البائسة صعود إسرائيل، وسقوط العرب، وموت الديمقراطية.

صعدت الجمهوريات السلطوية في المنطقة تحت قيادة جمال عبد الناصر في مصر، الذي ألهب نموذج صعود جمهوريته خيال صغار الضباط والعسكريين، الذين حذوا حذوه، ونفّذوا انقلابات مشابهة في سورية والعراق والسودان والجزائر وليبيا. وباتت مصر العسكرية/ السلطوية
“ألهبت جمهورية عبد الناصر خيال صغار العسكريين الذين حذوا حذوه، ونفّذوا انقلابات مشابهة في سورية والعراق والسودان والجزائر وليبيا” النموذج الذي يصبو إليه الجنرالات في المنطقة، فسعوا إلى استنساخ كاريزما عبد الناصر، وتكرار تجربته في بلدانهم. ومنذئذ، بات العسكر المسيطرين والمتحكمين في البلاد والعباد، والمهيمنين على كل شؤون بلدانهم التي كانت قد خرجت لتوّها من استعمار مدّمر استمر عقوداً، وفي بعض الحالات أكثر من قرن كما في الجزائر.

والأكثر مأساة صراعات النخب السياسية والمدنية، التي سهّلت مهمة العسكر في الاستيلاء على السلطة، من خلال استقوائها بهم، واستدعائهم لحسم صراعاتها، كما حدث في السودان قبل انقلاب إبراهيم عبود في السودان عام 1958، وهو الانقلاب الذي حصل على مباركة أكبر حركتين دينيتين في السودان، الأنصار والختمية. وهو ما تكرر في انقلاب جعفر النميري في مايو/ أيار 1969 الذي كان مدعوماً من الشيوعيين والقوميين العرب. أو انقلابات سورية بدءاً من انقلاب حسني الزعيم في مارس/ آذار 1949، ونهاية بانقلاب حافظ الأسد على رفيق دربه صلاح جديد أوائل السبعينيات، فيما عُرف وقتها بالحركة التصحيحية. كذلك ما حدث في مصر قبل انقلاب يوليو 2013، الذي مهدت له النخب المدنية بمختلف أطيافها، وأدّت، ولا تزال، دوراً مهماً في ترسيخه.

وفي الوقت الذي انحسرت فيه ظاهرة الانقلابات العسكرية في العالم العربي منذ السبعينيات، توغلت المؤسسة الأمنية والمخابراتية في الشأنين السياسي والمدني، وحلّت محل المؤسسة العسكرية، بالمعنى التقليدي، في إدارة الشأن العام، من أجل ضمان الحماية للأنظمة السلطوية. لذا تضخمت الأجهزة الأمنية (الأمن الوطني، أمن الدولة، الدرك.. إلخ) وتغلغلت نظيرتها المخابراتية في مختلف قطاعات المجتمع (التعليم والجهاز البيروقراطي والوزارات)، ليس من أجل التنصت عليها، وإنما بالأساس لاستشعار ووأد أي محاولة قد تهدد بقاء النظام.

في حين وصل الأمر، في بعض البلدان العربية، أن أصبحت المخابرات الحاكم الفعلي للبلاد، بل أصبحت المسيّر والمتحكم الرئيسي في النخب السياسية وكثير من المنظمات الأهلية والمجتمع “منذ السبعينيات، توغلت المؤسسة الأمنية والمخابراتية في الشأنين السياسي والمدني، وحلّت محل المؤسسة العسكرية” المدني.

وقد أدّت هاتان المؤسستان (الأمنية والمخابراتية) دوراً مهماً في حماية السلطويات العربية طوال العقود الأربعة الماضية. وكان الأخطر هو انخراط هاتين المؤسستين (أو على الأقل قياداتها) في صفقات اقتصادية وتجارية، وهيمنة رجالهما على الإعلام والصحافة في عدد من البلدان، من أجل ضمان توجيه الرأي العام لصالح دعم الأنظمة السلطوية. وحالياً تستفيد هذه الأجهزة من إمكانات الثورة التكنولوجية، التي تمكّنها من مطاردة المعارضين السياسيين لا فقط داخلياً، وإنما أيضاً خارجياً.

وعلى الرغم من ذلك، أثبتت الثورات والانتفاضات العربية أن هذه الأجهزة أوهن من بيت العنكبوت، وأنه مع أول صرخة من أجل الحرية، يتحسّس العاملون بهذه الأجهزة جوازات سفرهم من أجل الهرب خارج البلاد، خوفاً من انتقام الثوار ومعقابتهم على جرائمهم. ولم يكن غريباً أن يكون تفكيك الأجهزة الأمنية والمخابراتية أحد المطالب الرئيسية للانتفاضات العربية. وأن تصبح مقارّها من أهم الأماكن التي يستهدفها الثوار، بعد نجاحهم في خلع الأنظمة السلطوية، على غرار ما حدث في مصر بعد ثورة يناير عام 2011، وفي تونس أيضاً، وما يجري الآن في السودان والجزائر.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments