مصر التي في خاطري وفى فمي       أحبها من كل روحي ودمي

مصر ليست في قلوب المصريين فحسب لكنها تملكت قلب كل فرد في الوطن العربي، حتى كتبت عاتكة البوريني تصفها بقولها: مصر، هي الوطن الذي يسحرك اسمه بمجرّد أن يذكر اسمها أمامك، فيكفي أن تغلق عينيك، وتسرح طويلاً في خيالك الرائع، لتتخيل نفسك تتجول في شوارعها وأزقتها، تشمّ رائحة العراقة والأصالة، والعمق الحضاري الممتد عبر آلاف السنين، تمشي في شوارعها لتشعر وكأنّك تمشي في أزقة بلدك، وبين أبناء حارتك، لترى كلّ الوجوه تبتسم لك، وترفع يدها لتردّ لك التحية والسلام. مصر لم تكن يوماً وليدة حاضرٍ قريبٍ فقط، بل هي دولة التاريخ والحضارة، وهي التي ذَكَرها الله سبحانه وتعالى في مُحكم التنزيل بقوله في سورة يوسف ” ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ “، وهذا إن دلّ على شيءٍ فإنما يدلّ على عمق وجود مصر عبر التاريخ الطويل، الذي يزخر بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والحضارة الفرعونية العريقة، وحضارة نهر النيل. حين تُذكر مصر، لا بدّ وأن يخطر بالبال نهر النيل، أطول أنهار العالم، والذي حَبى الله به مصر لتكون هبة النيل، وليضفي عليها هالةً إضافيةً من السحر والعظمة، لتأوي إليها الحضارات والمساكن، والزراعة الخصبة على جنباته، والبيوت الفخمة التي تُطلّ عليه، فمن لم يشرب من نهر النيل بقي ظمآناً، لا يعرف أنّ النيل هو سر حياة مصر، الذي أودع سرّه فيها، وجعلها عروسةً تتمايل بسحرها بين جميع أقرانها.

كم صبرت مصر على كلّ أحداث الزمان، ووقفت كالطود الشامخ، تدافع عن العرب وقضاياهم، كيف لا، وهي الأخت الكبرى لكل العرب، وهي البيت الذي يفتح أبوابه لجميع اجتماعات العرب، تضمهم كأمٍ حنون، لتحيي فيهم نبض العروبة، الذي لن يموت، وسيبقى ما بقيت الحياة على هذه الأرض.

لكن الأحداث الأخيرة ومواقف القيادة السياسية -التي تقودها حاليا –  ومواقف إعلامها والقائمين عليها مع جميع شعوب العرب جعلتهم لا يفرحون لفرح مصر ولا يحزنون لحزنها، وكانت هذه المشاعر مدفونة في القلوب حتى استشهاد الرئيس محمد مرسي والتي فجرت الأمر وجعلته يطفوا على الساحة، حتى أن جميع الشعوب في كل بقعة من بقاع الأرض صفوا الصفوف للصلاة على الرئيس الشهيد، وخرجوا في مظاهرات ينددون بذلك.

وزادت هذه المشاعر أثناء دورة الأمم الإفريقية والتي تحدت الجماهير العربية القيادة المصرية وهتفت للاعب محمد أبو تريكة داخل المدرجات الرياضية في قلب العاصمة المصرية.

لكن الحالة النفسية التي انفجرت في قلوب ونفوس الشعوب العربية وغير العربية في مباراة مصر وجنوب إفريقيا أظهرت هذه حقيقة مشاعر الناس حاليا تجاه مصر، وهي مشاعر تجعل كل مصري يبكي دما حسرة على وطنه الذي اجتثت القيادة الحالية حبها من قلوب العرب والناس بتصرفاتها القميئة.

فكتب الأستاذ نورد الدين لشهب على صفحته – وهو صحفي مغربي: تابعت امس مقابلة في كرة القدم بين منتخبي مصر وجنوب أفريقيا، لاحظت أن رواد المقهى في حي شعبي كانوا يشجعون منتخب جنوب أفريقيا، وحين سجلت جنوب أفريقيا اهتزت المقهى بالتصفيق والصيحات!!

لماذا؟ سؤال حيرني حقيقة، فالمغاربة كانوا دوما يشجعون المنتخبات العربية، ومنها منتخب مصر، بل كنا نحفظ أسماء اللاعبين المصريين وحراس المرمى المشهورين الذين أنجبتهم الكرة المصرية، بل هناك مغاربة يتابعون ليفربول لأن هناك لاعبا مصريا هو محمد صلاح يلعب للفريق الإنجليزي.

أرى أن المشكل هناك في مصر، وليس في الجمهور الذي يشجع منتخبا أفريقيا ضد المنتخب المصري، إن مصر التي كانت أقرب إلى قلب ووجدان المواطن المغربي والعربي، تحولت بفعل فاعل الى خصيم إلى هذا المواطن، المواطن الذي يعشق الكرة والرياضة كما يعشق الحرية والكرامة والعدالة أصبح معنيا بما يقع في محيطه، وحين تنعدم القيم التي يتطلع إليها المواطن ينعدم الاحترام والتقدير.

أفهم أن المواطن غاضب فقط، ولا يمكنه أن يكره مصر ولا أي بلد عربي ومسلم، لأن مصر التاريخ والثقافة والفن والاعلام والرياضة والمقاومة والموقع الاستراتيجي هي اكبر من ان يكرهها احد(انظر كتابات جمال حمدان) والشخصية المصرية التي علمت العرب وكونتهم بل بنت دولا في الخليج (….) …. ولهذا لا يجوز ولا يحق لها أن تضيع هذا المنتج الحضاري، بل لا يحق أن تفوته الى دول قزمية لا تملك رؤية ولا مشروعا، إن لم نقل هي خنجر صهيوني مسموم. والسؤال الأعمق: هل تعود مصر إلى وجدان المواطن العربي كرة أخرى؟

وكتب محمود الغازي – مغربي- ملخصا المشهد: عن نفسي كل ما يحزن السيسي يفرحني وكل ما يفرحه يحزنني.

كما كتب أحمد مجيدي: لاحظت نفس الملاحظة، كنت أشاهد في إحدى المقاهي ففوجئت بأن الجمهور يقف ضد مصر، فحينما سألت أحدهم، فاندهشت .. وعلمت أن السبب هو ما يحصل في مصر.

وكتب samaali adel: مطلوب علماء نفس وعلماء اجتماع لتفسير ظاهرة انفجار مقاهي تونس بالفرحة والتصفيق حينما سجلت جنوب إفريقيا هدف الانتصار ضد منتخب مصر.

وعلق Abdelbarie Khamlichi: عن نفسي أفضل هذا السيناريو، فالنظام المصري كان يراهن كثيرا على هذه الكأس في هذه الظرفية المحتقنة كي يتلقى الشعب جرعة تخدير قد تخدم النظام سنة أو سنتين.. والحال ينطبق على بلادنا كذلك لكن حال مصر وما يجري هناك أندى وأزكم للأنوف من غيرها.

الغريب أن معظم الشعب المصري تملكه الفرح لهذه الهزيمة، بل كانوا يدعون الله سبحانه أن لا يتحقق لمصر النصر وإلا لأقام النظام العسكري المذابح على صوت وهتاف الناس في المدرجات.

لقد لمس الجميع راحة الشعب المصري لهذه الهزيمة– بعيدا عن مستوى الفريق السيئ – لكن بسبب الأوضاع والرعب والخوف الذي يعيشه هذه الشعب الذي لم يجد من يحنو عليه.

لقد كشفت هذه المباراة مع موت السيد الرئيس مرسي حقيقة الوضع في مصر وحقيقة النظام القائم في مصر، وأنه لم يسع لعودة مصر إلى أحضان الوطن العربي والإسلامي بل أصبح سببا في طرد مصر في قلوب الشعوب العربية والإسلامية.

Facebook Comments