تحول فيروس كورونا من وباء بيولوجي إلى وباء اقتصادي يوشك أن يتحول إلى وباء سياسي، كنمط غير مسبوق من أنماط التحولات النوعية، ورصدت أقلام سياسية وبحثية تحولات ما بعد كورونا.

ومن أبرز ما رُصد أن “مجتمعاتنا المبتلاة بثالوث الفساد والاستبداد والجهل الثقافي قبل الأبجدي، ستكون- ما لم تتبدل الأمور فيها نحو الأفضل- عرضةً لمزيد من الأوبئة؛ ومصدرا لأنواع جديدة منها، وفي مقدمتها وباء الإرهاب المذهبي، بكل أشكاله وأسمائه وشعاراته” بحسب عبد الباسط سيدا في مقاله “أي عالم سيكون بعد جائحة كورونا؟”.

التحول الأكبر

وقال د. عبد الباسط سيدا، السياسي السوري: إن “التحول الأكبر الذي ستشهده المجتمعات المختلفة سيكون في ميدان التعليم، خصوصا في الدول التي تركز على الاستثمار المستقبلي في التعليم، وتوظف ميزانياتٍ ضخمة لتطوير المناهج وطرق التعليم والوسائل المساعدة المستخدمة في العملية التعليمية”.

وأوضح أن ذلك لتكون عونا لهم في مواجهة تحدّيات العالم المعاصر والحياة اليومية المعقدة من جهة، وأساسا يمكّنهم من تحقيق النجاحات العلمية، وابتكار أساليب جديدة تمهد الطريق نحو مجالات إنتاجية أرحب، واختراع وتصميم مزيد من الأجهزة والأنظمة التي تساعد على وضع الحد للأوبئة والأمراض والفقر والجهل، وتضمن المقومات الواقعية لرفاهية الإنسانية وتقدّمها من دون أي تمييز.

وأضاف أنه في ظروف إغلاق المدارس في دول أوروبية عديدة، تجري حالياً مناقشاتٌ معمقةٌ بين التربويين أنفسهم، وبينهم وبين السياسيين، عن دور التعليم الرقمي في تلبية موجبات العملية التعليمية، بل وتطويرها.

وليس مستبعدا اعتماد أساليب ابتكارية كثيرة فرضتها الحاجات الراهنة مستقبلاً، وذلك لتجاوز مشكلاتٍ كثيرة كانت ترهق كاهل التربويين والطلبة والعملية التربوية بصورة عامة. ويُشار هنا بصورة خاصة إلى حالات النسب المرتفعة لحالات الغياب والمرض بين الطلبة والمعلمين. هذا فضلا عن ضعف النتائج قياسا إلى حجم الميزانيات.

ولادة جديدة

وقال رئيس منتدى الشرق والمدير السابق لشبكة الجزيرة، الدكتور وضاح خنفر، إن العالم مقبل على ولادة جديدة، بعد الأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا، وأغلق معها دولا بأكملها وضرب الاقتصادات.

وكشف عن أن اللحظة التي يعبرها العالم اليوم سوف تدخل التاريخ كنقطة تحول جذرية، تؤسس أنماطا جديدة، وتعزز أخرى موجودة بالفعل في عوالم الاجتماع والاقتصاد والسياسة.

وأكد أن ما بعد يرتكز على ما نعيشه اليوم من اقتصاد عالمي متداخل، وتكنولوجيا عالمية وعولمة فريدة في حجمها وقوة تشابكها.

واتفق مع عبد الباسط سيدا في أن العلم يحتاج للمزيد قائلا: “تبيّن لنا أنّ البيولوجيا ما زالت تعود مرة أخرى لكي تثبت عجزنا وضعفنا”، مضيفا “ظن الإنسان في السنوات الماضية أنّه قادر على الأرض، مهيمن عليها. النزعة التي اعتنقها عدد كبير من العلماءِ الغربيين ليست إلّا “أسطورة”، فضعف الإنسان حقيقةٌ وجودية كامنةٌ فيه بشكل أصيلٍ لا طارئ”.

تجارب سابقة

وعن الولادة الجديدة استرشد “خنفر” بتجارب التاريخ، حيث لم يهدم وباء الطاعون الذي وقع عام 165م في روما وإيطاليا ومعظم البلدان الرومانية، العصب العسكري للدولة الرومانية فحسب، بل أذن ببداية انهيار الأديان الرومانيّة، وكان من أحد الأسباب التي بعثت الديانة المسيحيّة في معظم أرجاء الدولةِ الرومانية، وصولًا إلى اعتناق الدين المسيحيّ وتثبيت أركانه من قبل الامبراطور قسطنطين في مطلع القرن الرابع ميلادي 315-333م، وأصبح بعدها الدين المسيحي هو الدين الرسميّ للدولة الرومانيّة.

وربط بين عدة أوبئة كان الغالب فيها الطاعون (جنستيان وعمواس والطاعون الأسود)، وبين بداية النهضة في أوروبا، ويعتقدون أنّه كان أحد البواعث الكبرى لإنهاء الإقطاع وانطلاق مرحلة التعقل والعقلانية الأوروبية وصولا إلى مرحلة النهضّة، ثمّ انحسار التأثير الكهنوتي على الحياة العامة، لاسيما الحياة السياسية والعلمية.

وأشار إلى أن الجديد سيكون بدء العالم في الحديث عن معان وجودية جديدة، بمعنى أن الأديان والمعتقدات والفلسفات سوف تبدأ بالحديث عن معنى الإنسانية ومعنى الحياة. لأن الناس بدأت تتساءل عن كيفية التعايش مع هذه المسألة دينيا، أو حتى إنسانيا.

خطاب ديني جديد

وأشار إلى أن دور الدين بمفهومه التقليدي الموروث سوف يضعف، لأنّ الأديان عموما خاصة المسيحية واليهودية وحتى الإسلام بشكله التقليدي قد لا يجيب على بعض الأسئلة التي سيواجهها الناس في المرحلة القادمة، وهذا سيفاقم من حاجة الناس إلى خطاب ديني أقرب إلى عقولهم وإلى قدرتهم على التفاعل مع هذا الواقع، وعلى هضم التغيرات الكبرى التي ستعصف بالبشرية.

وتوقع رئيس منتدى الشرق أن الواقع الإنساني العالمي سيبدأ البحث عن نموذج اقتصادي عالمي أكثر استقرارا وعدالة، يخالف الحالي القائم على الجشع إلى درجة لم يسبق لها مثيل، ووصل بنا إلى درجة من الأزمات لا سابق لها، وأرخ لبدايتها منذ 1929م إلى اليوم الذي نعيشه. قائلا: “الاقتصاد الذي نعيشه اليوم اقتصاد متوحش وصل نهاياته المنطقية الكارثية”.

تغييرات سياسية

وتوقع خنفر أن بداية تعافي الصين بينما تدخل أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية والدول الأخرى في ذروة المرض، فمعناه أن وضع الصين اقتصاديا واستراتيجيا سيكون أفضل من بقية دول العالم.

وأن استمرار حالة الانهيار الاقتصادي الحالي سيصل إلى ركود عالمي كبير، فإن الكثير من دول العالم ستتضرر ضررا غير قابل للإصلاح، وسيصاب النظام الاقتصادي في مقتل. وستعاني الدول الصناعية التي يعتمد اقتصادها على التصدير، ومن بينها الدول المنتجة للنفط.

وأضاف أن واقع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل رئيس مهووس بذاته ليس مبشرا بالخير، وصورة أمريكا ستهتز، وقد ينهار النظام الصحي الأمريكي، مما قد يؤدي إلى تفشي المرض سريعا، وهذا سيعزز من الركود الاقتصادي.

وتابع: مكانة أمريكا العالمية تتراجع منذ سنوات، وكورونا سيسرع في تراجعها وانحسار أهميتها القيادية العالمية لحساب أقطاب دولية أخرى قد تقف الصين على رأسها.

انخفاض الاستقطاب

ومن بين ما توقعه الكتاب الغربيون ما توفعه الأمريكي بيتر كولمان، من أن الصدمة غير العادية التي جلبتها جائحة فيروس كورونا على نظامنا يُمكن أن تكسر النمط التصاعدي للاستقطاب السياسي والثقافي المستمر في دولٍ مثل الولايات المتحدة منذ أكثر من 50 عاماً، وربما تساعدنا جميعا على تغيير المسار في اتجاه التضامن والوظيفية الوطنية أكثر، وربما يبدو الأمر مثاليا أكثر من اللازم، ولكن هناك سببان يدفعان إلى اعتقاد إمكانية حدوث ذلك.

أوّلهما هو سيناريو “العدو المُشترك”، حيث يبدأ الناس في تجاوز اختلافاتهم حين يُواجههم تهديدٌ خارجي مُشترك. ويمنحنا “كوفيد-19” عدوا هائلاً لا يُفرّق بين الأبيض والأسود، وربما يمنحنا طاقةً تُشبه الاندماج، ويُوحّد أهدافنا ليُساعدنا على إعادة التنظيم والتجمع.

شكل العبادة

وتتوقع إيمي سوليفان أن يتغيّر شكل العبادة الدينية عند أصحاب الأديان، متسائلة: هل تستطيع العائلات المسلمة الاحتفاء بشهر رمضان في حال عجزوا عن الذهاب إلى المسجد لصلاة التراويح، أو التجمّع مع أحبابهم على مائدة الإفطار؟.

وأضافت “ستضطّر الأديان في زمن الحجر الصحي إلى تحدّي مفاهيم الكهانة والعبادة، وستزيد الفرص أمام الأشخاص الذين لا يمتلكون جماعةً محلية للحصول على الخُطَب عن بُعد، وربما تكتسب الممارسات التأملية شعبيةً أكبر”.

وقالت إيزيكيل إيمانويل: إن الوباء سيغير نموذج مكان تقديم الرعاية الصحية. إذ ظلّت فكرة التطبيب عن بُعد على الهامش طوال سنوات، بوصفها منظومةً قليلة التكلفة وعالية الراحة. لكن الضرورة قد تزيد شعبية زيارات الطبيب عن بُعد بالتزام مع ضرب الجائحة لأماكن الرعاية الصحية التقليدية.

وأوضحت أنه ستكون هناك مزايا مرتبطة بالاحتواء في هذا التغيير، إذ إنّ البقاء في المنزل وإجراء محادثة فيديو يُبقيانك خارج إطار العدوى وبعيداً عن غرف الانتظار والمرضى الذين يحتاجون إلى رعايةٍ مُركّزة.

Facebook Comments