مدهشٌ هذا الانحراط العربي في مسألة عزل دونالد ترامب، أو استمراره، وكأنها مسألة تحدّد مصير العرب، أو كأن العرب مشغولون بمصائرهم أصلًا، أو يتحرّكون وفقًا لمقتضيات التاريخ والجغرافيا والحضارة، أو حتى المصلحة.
سواء بقي ترامب أو غادر، لن يتغيّر شيءٌ من المعادلات، ما دام العرب مكتفين بدور المتفرّج، والمشجّع، والمموّل لهذه العروض المبهرة على مسرح السياسة الأميركية والعالمية، ومن ثم لا مبرّر موضوعيًا لهذه الحالة من التفاعل المبالغ مع تطورات المباراة الدائرة بين الديمقراطيين والجمهوريبن، والتي تدور أحداثها على ملعبي مجلسي النواب والشيوخ.
فريق من العرب بدا، مع قرار مجلس النواب بعزل ترامب، وكأنه قد داهمته آلام حصوة في الحالب، الذي اغترف من الخزائن العربية نحو تريليون دولار، في فترته الرئاسية الأولى. ومع ذلك ما زالوا متعلقين به، ذلك التعلق الطفولي الذي يصوّر لهم أن في رحيل ترامب نهايتهم. والفريق الآخر يتصوّر أنه، بأفول الجمهوريين وصعود الديمقراطيين، سوف تنهار قلاع الاستبداد والطغيان في العالم العربي، وسوف تهتز عروش الانقلابات وداعمي الانقلابات، وهذا تعلقٌ طفولي آخر تدحضه وقائع ما جرى منذ سبع سنوات. ذلك أن انطلاق الثورات المضادة العربية، وانتعاش الانقلابات، بدأ في ذروة سيطرة الديمقراطيين على السلطة في الولايات المتحدة الأميركية، والتجهيز للانقلاب الأكبر على حكم الرئيس محمد مرسى تم في واشنطن، وحصل على الضوء الأخضر منها، وحين اكتمل لم تحرّك ساكنًا.. حتى قرارها تعليق المساعدات العسكرية للجنرالات لم يصمد أمام أول زفرة امتعاض من تل أبيب، وكل ما صدر عن واشنطن الديمقراطية بعد ذلك لم يتجاوز تصريحات دبلوماسية فضفاضة أقرّت الأمر الواقع وكرسته، ثم لم تبخل عليه بالدعم السياسي والعسكري فيما بعد.
وبالإجمال، أقصى ما حصلت عليه القضية المصرية من أميركا، وهي ترتدي القبعة الديمقراطية، لم يتجاوز تصريحات جون ماكين وليندسي غراهام عن التي تمشي كالبطة وتصدر صوت البطة فهي بطّة، في وصف ما جرى بمصر كانقلاب، لكنه مقبول ومرحب به أمرًا واقعًا.
يمكنك الرجوع إلى كتاب ديفيد كيركباتريك، مراسل “نيويورك تايمز” في القاهرة، والذي يرصد الحالة المصرية من الثورة إلى الانقلاب، حيث يذهب إلى أن أوباما دعم بقاء الرئيس مرسي قبل يوم من الانقلاب، لأنه كان يخشى اتهام حزبه الديمقراطي بدعم الانقلابات، ولكنه غيّر رأيه بعد ذلك، ودعم انقلاب السيسي بتأثير من ٱراء وزيري الخارجية والدفاع اللّذين حذرا من مخاطر حكم الإسلاميين على المصالح الأميركية والصهاينة والحلفاء في الخليج.
الشاهد أيضًا أن دونالد ترامب كان أكثر قبحًا وصفاقة، في مرحلة الاستعداد للانتخابات، وفي أثناء حملته الانتخابية، فيما خصّ قضية العرب المحورية، أو ما كان يعتبرها العرب الرسميون كذلك، والانحياز الصارخ للكيان الصهيوني، والعداء العنصري السافر للمهاجرين واللاجئين، ناهيك عن الإسلاموفوبيا الموغلة في التطرّف، حتى يمكنك القول إن وجه ترامب، وهو رئيس، صار أقل قبحًا وجنونًا من وجه ترامب المرشّح صاحب الحملة الانتخابية المنفلتة.
والوضع كذلك، فإن انتظار الحصول على تغيير في مصر، أو الدول العربية، يأتي من واشنطن، هو نوع من الأوهام، أو انتظار ما لا يجيئ، ذلك أن التغيير إنْ لم ينبع من الداخل، وينبت في تربته الأصلية، لن يكون تغييرًا، وكما قلت عشرات المرات:
البديل لا يُصنع في الخارج أو يُستورد منه، بل هو هناك تحت أقدام من يبحثون عنه، في تربةٍ لا تمنح زرعها إلا لمن يوفيها حقها من الكفاح.. وما أصيبت الحالة المصرية بالهزال والعجز وقلة الحيلة إلا لأنها استسلمت لأوهامٍ مبكّرة روّجها دجالون محترفون، تقول إن حلحلة المعضلة مرهونة بالمواقف الإقليمية والدولية.
نقلاً عن “العربي الجديد”

Facebook Comments