تصدرت صورة الشاب الإعلامي المعتقل “شادي أبوزيد” صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يودع جثمان والده بملابس السجن، تحت الحراسة المشددة وهو مقيد اليدين، ورغم أن “شادي” يصنف نفسه على أنه ليبرالي غير مسيس وليس له أي علاقة بأحزاب أو جماعات، إلا أن سلطات الانقلاب لم تلتفت لذلك فالمصريون عندها تحت القمع سواء.

ويعمل الشاب “شادي” كمراسل ساخر في برنامج شهير تم إيقافه مؤخراً “أبله فاهيتا”، وكان شغوفا بإنتاج مقاطع فيديو ساخرة لا علاقة لها بالسياسة، إلا أن سلطات الانقلاب قبضت عليه بدون أي تهمة حقيقية، وبدون محاكمة، ويتم مد حبسه على ذمة التحقيق كل ٤٥ يوما لمدة شهور الآن.

كل ذلك بسبب مقطع فيديو في عيد الحب يسخر من قطعان شرطة الداخلية، تم حرمان شادي من خدمة والده المريض في أسابيعه الأخيرة، وحرمان الأب من ان يرى ابنه في لحظات الوداع، ومات محسوراً على ابنه الذي يفقد مستقبله في معتقل بدون تهمة، وعبرت الصورة وهو منكب على جثمان والده في صندوق الموتى عن جزء بسيط من الظلم الموجود في مصر.

كلنا مسئولون

ويرى مراقبون أن الصورة لا تدين السفيه السيسي وعصابته فحسب، بل تدين كل مصري جعل من السكوت على الظلم فضيلة، وتجاهل طوابير المظلومين والمعتقلين في مصر، وحوله ترهيب إعلام العسكر إلى شيطان أخرس بدلا من أن ينتفض وينادي بالحرية للمعتقلين كل المعتقلين بلا استثناء بينهم.

ودشن نشطاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي حملة لاستنكار القمع والقهر مع المعتقلين، الذين أطلقوا حملة “كفاية ظلم” للمطالبة بالإفراج عن شادي أبو زيد وجميع المحبوسين احتياطيًا، مع رفع صورة مكتوب عليها أنا مواطن مصري رخيص، وهو الشعار الذي تحول اليوم إلى الوسم الرئيسي للحملة.

الحملة شهدت العديد من المطالبات، ليس فقط المطالبة بالإفراج عن المعتقلين، ولكن امتد إلى المطالبة بإظهار المختفين قسريًا والإفراج عن معتقلي الرأي، وإيقاف المحاكمات المسيسة ضد معارضي الانقلاب، كما انتقد النشطاء عبر الحملة محاولات العسكر لتعديل دستور النوايا الحسنة، بما يضمن بقاء واستمرارية السفيه السيسي، كما وجهوا انتقادات للأوضاع الاقتصادية المتردية التي تمر بها البلاد وتؤثر على المواطن.

وعقب نشر صور أبو زيد خلال دفن والده، أعاد النشطاء تداول تصريح السفيه السيسي خلال لقائه مع برنامج “60 دقيقة” على قناة “cbs” الأمريكية والذي أكد فيه عدم وجود معتقلين في مصر.

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد أكدت أن السفيه السيسي، ومنذ الغدر والانقلاب على محمد مرسي، أول رئيس منتخب في مصر، ألقي القبض على آلاف المعارضين السياسيين، ووجهت إليهم اتهامات ملفقة، وحظرت الاحتجاجات السلمية عبر قانون بات مبررا لاعتقال ومحاكمة آلاف المتظاهرين، وبات الإخفاء القسري على نطاق واسع سمة انقلاب العسكر.

بينما أكدت منظمة العفو الدولية مطلع الشهر الجاري أن مصر هي سجن مفتوح، مضيفة: “السيسي يدّعي في مقابلة مع قناة CBS أنه لا يوجد سجناء سياسيون في مصر. في الواقع، وصلت حملة القمع على حرية التعبير في مصر إلى أسوأ مستوياتها على الإطلاق خلال رئاسته”.

انتفضوا ضدهم

وفاقم فصل الشتاء من معاناة المعتقلين والسجناء والمختطفين قسرياً، في زنازين ومعتقلات ومسالخ الانقلاب العسكري، جراء حرمانهم من الملابس والأغطية، التي يحتاجونها لتقيهم من البرد القارس، ويعاني الأحرار في سجون العسكر من أزمة، بعد ازدياد حالات الاعتقالات والمختطفين قسريا، الذين يحتاجون إلى توفير حقوقهم الآدمية، وما زاد من حدة الأزمة حلول فصل الشتاء، مع استمرار مصلحة سجون الانقلاب بفرض عقوباتها على الأحرار، المتمثلة في تقليص الملابس الشتوية الثقيلة والأدوية والطعام وحرمانهم من زيارة أهاليهم.

ودخلت مصر بعد انقلاب السفيه عبد الفتاح السيسي على الرئيس المنتخب شعبيا محمد مرسي في 3 يوليو 2011، عهد السجون والأقبية والتعذيب الوحشي، وعادت إلى عهد الاستبداد والقمع والسجون والمطاردات، في وقتٍ فضلت فيه أمريكا والغرب الصمت عن انتهاكات حقوق الإنسان بمصر خدمة للكيان الصهيوني المتساوق مع السفيه، ويتحسّر الحقوقيون على عهد مرسي، إذ لم يسجن معارضا واحدا، وكانت حرية الرأي مكفولة في عهده، لينقلب الوضع رأسا على عقب بعد انقلاب السفيه والعسكر على الديمقراطية.

والواقع في سجون العسكر تخطى ما يمكن تصوره، بل تخطى أبشع الصور، ويمكن تطبيق هذه الجملة على ما يحدث في السجون من انتهاكات للحقوق والحريات في ظل حكم العسكر، وإن أردت أن تتكلم وتحكي عن الانتهاكات التي تتم تجاه المعتقلين فتأكد أنك بحاجة إلى أيام أو ربما شهور لتنتهي، كما أنك ستكون بحاجة إلى أن يكون قلبك أقسى من الحجر وعقلك واسع الخيال لتستطيع فهم مدى فظاعة تلك الانتهاكات دون أن تُصاب بأزمة قلبية قاتلة من تأثرك من هذه الحكايات.

Facebook Comments