لم تعد كلمة “التطبيع” تصلح لتوصيف الوضع العربي الحالي، فيما يخص العلاقات مع الكيان الصهيوني، فالنظر إلى ما يدور الآن تتحول “الهرولة” إلى مصطلح شاحب وضعيف، وتصير”التطبيع” مفردةً كاذبة ومضللة.

كان التطبيع يعني سابقًا حاجة صهيونية إلى علاقات طبيعية مع أنظمة الحكم العربية، يهرول بعضهم إليها، فيما يمشي آخرون الهوينى باتجاهها، أما الآن فنحن بصدد زحفٍ من وضع الانبطاح يتسول التبعية و”التتبيع” من تل أبيب التي تقف في وضع ذهول وضجر من هذا التنافس المحموم على نيل رضاها ورعايتها، تتساوى في ذلك ما سميت سابقًا “دول الطوق”، وتلك الدول البعيدة عن المواجهة التي تتحرّك زحفًا نحو “التتبيع” بسرعات ورغبات أشد من مثيلاتها.

في البدء كانت “كامب ديفيد” قبل أربعين عامًا، مفتتحًا لسقوط عربي مروع في طريق التطبيع، عبر”مدريد” ثم “أوسلو” لتبدأ بعدها مرحلة الهرولة التي صار معها التطبيع وجهة نظر، ثم جاءت 30 يونيو/ حزيران 2013 في مصر، ردّة على ربيع عربي وضع القضية الفلسطينية في القلب منه، فبدأت مرحلة جديدة عنوانها”التتبيع” بات معها نظام عبدالفتاح السيسي يفاخر بأنه أنجز المهمة التي أرادتها “إسرائيل”، وحقق حلمًا عزيزًا لبنيامين نتنياهو، بإزاحته الجماهير من معادلة المواجهة، وها هو السيسي يتحدّث في ميونيخ بلسان صهيوني فصيح معلنًا أن “30 مليون مصري خرجوا في 30 يونيو 2013 لرفض الفكر الديني المتطرف”. وهذا بالضبط ما ردّدته الإنتليغنسيا الصهيونية منذ وقع الانقلاب على نظام الحكم الذي جاءت به ثورة يناير/ كانون ثاني 2011 ليقدّم نفسه باعتباره الشخص المطيع في بلاط ما تسمى عملية التسوية الشاملة، كما يتمنّاها الاحتلال الصهيوني.

بعدها، أعلن بنيامين نتنياهو عبر تويتر أن “أكبر عقبة أمام توسيع دائرة السلام ليست زعماء الدول التي تحيط بنا بل هي الرأي العام في الشارع العربي الذي تعرض على مدار سنوات طويلة لدعاية عرضت إسرائيل بشكل خاطئ ومنحاز”.

في هذا الطريق، كان عبدالفتاح السيسي هو الرائد، ومن خلفه سار كثيرون يطلبون رعاية نتنياهو، وكفالته العروش، وضمانته للبقاء في الحكم، على نحو مخجل ومهين، كما بدوا في “وارسو” التي جمعت “الأخوة الأعداء” على مائدة نتنياهو، وهم الذين رفضوا أن يلتقوا في مناسبات عربية وخليجية.

المضحك أنه في خضم هذا المجون في حضرة نتنياهو، لا يزال الكذّابون يجترون تلك الكذبة الخليعة بحق الرئيس محمد مرسي لمناسبة عبارة “عزيزي بيريز” التي تصدّرت خطاب تكليف سفير مصر آتية من أرشيف أوراق الاعتماد الدبلوماسية التي لم تتغير، منذ عهد الملكية في مصر، ومتفق عليها دولياً، وهي صيغة واحدة مكتوبة بخط الكوفي باليد، ولا يتغير فيها إلا اسم الدولة ورئيسها وسفيرها، ومحفوظة في مكتبة نكلسون، كما بين ذلك وزير الخارجية في ذلك الوقت، والدبلوماسي العريق إبراهيم يسري.

يغمضون أعينهم عن صفوف المتسابقين على مصافحة أو نظرة أو لقاء مع رئيس حكومة الاحتلال الصهيوني، ولسان حالهم جميعًا ينطق “كفيلي نتنياهو”، مدشنين مرحلة الانسحاق التام في الحلم الصهيوني، فإذا ذكر اسم الرئيس محمد مرسي أصابهم مسٌّ من الخلاعة الثورية، وتبجّحوا أكثر مردّدين أن مجرّد تذكير الناس بالرواية الحقيقية لجريمة 30 يونيو من شأنه أن يعطّل مشروع اصطفافهم اللقيط من أجل استرداد الكرامة.

عن أي كرامةٍ يتحدّث من سلّموا أنفسهم لثورة مضادة صنعت في إسرائيل، ولم يجدوا غضاضةً في ممارسة أوضح صور التطبيع الفني والثقافي مع الصهاينة؟ إن كل يوم يمر يؤكّد أنّ تمكين مشروع الانقلاب في مصر كان بهدف الوصول إلى تلك اللقطات المشينة التي شاهدتها في “وارسو” فكان لابد من التخلص من رئيس غير مطابقٍ للمواصفات الصهيونية والأميركية، كما نطقت بذلك سفيرة واشنطن السابقة في القاهرة، آن باترسون، حين أفصحت عن رأيها في أنه لم يكن مؤهلًا للحكم، بما يتوافق مع الشروط الأميركية.

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments