بالتعديلات الأخيرة التي أقرها برلمان العسكر يكون قائد الانقلاب عبدالفتاح السيسي قد استكمل اختطاف الجيش المصري لحسابه الشخصي، وتم فرض وصاية السيسي الكاملة على المؤسسة العسكرية من أجل ضمان استمرار السيسي في الحكم وحماية نظامه من أية تقلبات يمكن أن تطيح به مستقبلا، وهو الذي استخدم الجيش من قبل من أجل الإجهاز على ثورة يناير والمسار الديمقراطي واغتصاب الحكم بقوة الانقلاب العسكري في منتصف 2013م.

وبنظرة أكثر عمقا يمكن إدراك أن الهدف من بسط العسكرة على ربوع مصر يرتبط بأهداف أكبر من ضمان بقاء السيسي على رأس السلطة في مصر لتشمل تحديث منظومة الحكم بصورة تضمن حماية المصالح الأمريكية والصهيونية في مصر والمنطقة؛ بحيث إذا رحل السيسي جاء سيسي آخر يؤدي نفس الأدوار لخدمة رعاة انقلاب 3 يوليو وضمان بقاء الحكم العسكري الشمولي باعتباره الكفيل بحماية المصالح الأمريكية والصهيونية والغربية عموما في مصر والمنطقة.

فالتعديلات التي وافق عليها مجلس النواب يومي الأحد والإثنين الماضيين – دونما أي اعتراض- والتي تتضمن مجموعة من القوانين ذات الطبيعة العسكرية، لا تكرس فقط عسكرة الدولة المصرية وسيطرة السيسي على الحكم، بل تصنع نظاماً جديداً محكماً يجعل السيسي متحكماً وحيداً بالجيش وقيادته من ناحية، وممسكاً بمفاصل السلطة بواسطة الجيش نفسه من ناحية أخرى. ويرسي السيسي بذلك نظام حكم يجمع بين الديكتاتورية الفردية والشمولية العسكرية.
فإضافة فقرتين للمادة 103 من قانون شروط الخدمة والترقية (والتي تحظر العمل السياسي للضباط)، تنص الأولى على "عدم جواز الترشح للضباط، سواء الموجودين بالخدمة أو من انتهت خدمتهم بالقوات المسلحة لانتخابات رئاسة الجمهورية أو المجالس النيابية أو المحلية، إلا بعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، وبالتالي يصبح المجلس العسكري وصيَّا على الإرادة السياسية للضباط الحاليين والسابقين، يبارك لمن يشاء الترشح ويحرم من يشاء منه.
أما الفقرة الثانية فتسمح (صورياً) لمن يمنعه المجلس العسكري بـ"الطعن على قراره أمام اللجنة القضائية العليا لضباط القوات المسلحة خلال 30 يوماً، ويكون قرارها في الطعن نهائياً، فلا يجوز الطعن في قرارات اللجنة أو المطالبة بإلغائها بأي وجه من الوجوه أمام أيّ هيئة أو جهة أخرى". والجدير ذكره أن هذه اللجنة يعينها وزير الدفاع، رئيس المجلس العسكري.

ولا يمكن فصل هذه المادة التي تدخل المجلس العسكري للمجال السياسي، رسمياً وتشريعياً للمرة الأولى في تاريخ مصر، عن مادة أخرى أضيفت إلى قانون مجلس الأمن القومي، والتي تجعل المجلسين معاً حارسين لنظام السيسي الحاكم بتشكيله وشروطه ونظامه وهيئته واستبعاد معارضيه وضمان عدم تغيير قواعد اللعبة السياسية. وتنص المادة على أنه "في الأحوال التي تتعرض فيها الدولة ومدنيتها وصون دستورها وأمن البلاد وسلامة أراضيها والنظام الجمهوري والمقومات الأساسية للمجتمع ووحدته الوطنية لخطر داهم، يجتمع مجلس الأمن القومي مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في اجتماع مُشترك برئاسة رئيس الجمهورية لاتخاذ تدابير وآليات عاجلة لمواجهة ذلك". ويدعو رئيس الجمهورية المجلس بتشكيله للانعقاد في الأحوال المشار إليها، أو بناءً على طلب نصف عدد الأعضاء بالتشكيل المشترك (أي في حالة غياب الرئيس لأي ظرف)، ويُدعى لحضور الاجتماع المُشترك كل من نائب رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الشيوخ، ومن يحدده رئيس الجمهورية من رؤساء الجمهورية السابقين، ويكون له حق في التصويت. كما تكون مداولات المجلسين بالتشكيل السابق سرّية، وتصدر قراراته بأغلبية الأصوات، وعند التساوي يُرجح الجانب الذي منه الرئيس، وتكون القرارات الصادرة بهذا التشكيل نافذةً بذاتها وملزمة للكافة ولجميع سلطات الدولة".

على خطى الصين وإيران
وبدمج النصوص السابقة سوياً، نجد أن السيسي يمهد لتشكيل كيانٍ يشبه مجلس الدولة الصيني، أو مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، برئاسته، وبصورة تضمن تحكمه الكامل –وبنفسه – في الأعضاء والاختصاصات. كما يتحكم السيسي بذلك بما سوف يصدر عن هذا الكيان المشترك الذي يجمع بين أعضاء مجلس الأمن القومي (رئيس الوزراء ورئيس مجلس النواب ووزراء الداخلية والخارجية والعدل والمالية والصحة والتعليم والاتصالات ورئيس الاستخبارات العامة ورئيس لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب) وبين أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

Facebook Comments