يبدو أنَّ نظام العسكر يتطلَّع إلى إلغاء حكم الطلاق رغم أنه حكم شرعي، وليس إلغاء الطلاق الشفوي فقط؛ بزعم الحفاظ على استقرار المجتمع والتماسك الأسرى وصيانة حقوق المرأة. ويستعين العسكر في ذلك- تحت ستار تجديد الخطاب الديني- بعلماء السلطان الذين يوجهون فتاواهم بحسب هوى الحكام، ويلوون أعناق النصوص ويخرجونها عن مرادها من أجل تحقيق ما يريدون .

فى هذا السياق، جاءت فتوى الدكتور سعد الدين الهلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، التى زعم فيها أن وقوع الطلاق الشفوي في المجتمع المصري “باطل”؛ لأن المصريين ينطقونه بشكل غير صحيح. وأضاف أن “المصريين لا يقع لهم طلاق لأنهم بيقولوا عليا الطلاء بالهمزة مش بالقاف”.

وتابع: “بعض الشافعية قالوا كده، قالوا لابد للطلاق أن يكون بالقاف، وإحنا بقينا بندور على الرأي الشاذ عشان البيت ميتخربش”.

وأشار إلى أن مفتي العسكر “علي جمعة” كان قد أكد، في وقت سابق، أن طلاق المصريين لا يقع لأنهم ينطقونه بالهمزة وليس بالقاف، فيقولون “طالئ” وليس “طالق”.

كان الهلالي قد أصدر مؤخرًا كتابًا بعنوان “فقه المصريين فى إبطال الطلاق الشفوي للمتزوجين بالوثائق الرسمية”، ذكر فيه أن القانون رقم100  لسنة 1985م، المعدل للقانون رقم 25 لسنة 1929م، بشأن بعض أحكام الأحوال الشخصية، المادة الخامسة “مكرر” تنص على أنه “على المطلق أن يوثق إشهاد طلاقه لدى الموثق المختص خلال30  يومًا من إيقاع الطلاق”.

وتابع أنه “تترتب آثار الطلاق من تاريخ إيقاعه، إلا إذا أخفاه الزوج عن الزوجة، فلا تترتب آثاره من حيث الميراث والحقوق المالية الأخرى إلا من تاريخ علمها به”.

الطلاق الشفوي

وقبل فترة أطلق خالد الجندي، شيخ العسكر، مبادرة لإلغاء الطلاق الشفوي. وقال “الجندي”: إن القانون يقر أن أي امرأة لا تستطيع أن تتزوج بعد انتهاء عدتها إلا بورقة طلاق، أي أن الطلاق لا يكتمل إلا بوجود وثيقة طلاق مصدق عليها من الدولة وفقًا للقانون، زاعما أن الآراء المتشددة حول وجوب الطلاق بالتلفظ تسببت فى تدمير الكثير من الأسر.

وزعم أن هناك من يقر بأن الزواج والطلاق في عهد النبي محمد- صلى الله عليه وسلم- كان شفويا، وعلى هذا يفتون بفتواهم، متسائلا: “هل يقبل أحد اليوم أن تزوج ابنته شفويا؟ فكيف نقبل أن تُطَلق المرأة شفويا؟”، فى ظل  التطور الكبير الذى شهده المجتمع الآن. وادعى الجندي أن “الطلاق الذي ينطق به الزوج بفمه، غير صحيح ولا يقع”.

وتابع قائلا”: “الشرع بيقول اللي اتعمل بعقد لا يلغى إلا بعقد مضاد، عقد زواج وعقد طلاق، الطلاق الشفوي لا قيمة له، لو واحد قال لمراته إنتي طالق20  ألف مرة لا قيمة له”.

كما زعم الجندى أن إلغاء الطلاق الشفوى يعد خطوة جيدة على طريق تجديد الخطاب الديني”، مطالبا الأزهر وشيخه بإلغاء الطلاق الشفوي.

غير جائز

فى المقابل قال الدكتور أحمد محمود كريمة، الأستاذ بجامعة الأزهر، إن الغاء الطلاق الشفوي غير جائز شرعا، وحرام؛ لأنه يخالف الشرع الذي يجيز الطلاق الشفوي، رافضا الخوض في تفاصيل بشأن تقنين الطلاق الشفوي.

وأكد أن إلغاء الطلاق القولي واشتراط الكتابة “استدراك على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا مرفوض”.

وأكد الشيخ محمد زكي، الأمين العام للجنة العليا بالأزهر الشريف، أن إلغاء الطلاق الشفهي غير جائز شرعا.

وشدد على أن “الطلاق الشفهي يقع، سواء كان يُقصد أم لا”، منوها إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة جدهن وهزلهن جد…، وعدّ منهم الطلاق”.

الأئمة الأربعة

وقال الدكتور محمد الشحات الجندي، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، إن الطلاق الشفوي يقع تماما، كما يقع الصريح منه، ولا علاقة لزيادة نِسب الطلاق بصدور قوانين بخصوص الطلاق الشفوي.

وأوضح أنه “لو كان الطلاق الشفوي لا يُعتد به، ما اجتهد واختلف فيه الأئمة الأربعة؛ الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة، وما قسموه أيضا إلى بائن وصريح”. وأشار الجندي إلى أن “الطلاق الشفوي يقع، طالما كان الشخص يقظا، ويعي ما يقول”.

وأضاف أن “الله- سبحانه وتعالى- لم يُقيد الطلاق بأن يكون موثَّقاً، وقال في كتابه العزيز (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان)، وكان الناس قديما قبل الأول من أغسطس سنة 1931م، (صدور أول قانون ينظم الطلاق) يبرمون عقد الزواج شفهيا، فكان المنطق الطبيعي أن يتم حل هذا الرباط بلفظ الطلاق الشفهي على وضع معتبر”.

حكم شرعي

وحول الطلاق واستقرار المجتمع قال الشيخ ماهر خضير، إمام وخطيب بالأوقاف: إن الطلاق حكم شرعى ننظر إليه على أنه يتم بالرضا والتسليم، فحكم الله حق وحكم الله خير وحكم الله أحسن الأحكام وأقومها وأعدلها، ولكن الشرع الحكيم جعله آخر الحلول وسبقه بتوجيهات عظيمة يكفل تطبيقها ندرة الطلاق وقلته، موضحا أن الإسلام أمر بالعشرة بين الزوجين بالمعروف والإحسان بكلام حسن وعفة لسان، لقوله تعالى: “وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا.

وأضاف أن الأزواج اليوم لا يغفرون الزلة، ولا يقبلون العثرة، رغم أن بقاء البيوت بأهلها يتطلب التغاضى عن بعض الهفوات، والصفح عن الزلات، والتجاوز عن بعض العيوب؛ لقول النبى: “لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضى منها خلقاً آخر”، وكذا قوله: “استوصوا بالنساء فإن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شىء فى الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء”.

وشدد خضير علىً أن النبي– صلى الله عليه وسلم- حث على التغاضى والصفح، وأمر بالحلم والصبر، وأمر بعدم التمادي مع الغضب أو اتخاذ القرارات فى فورة الغضب، وأمر بصون الزوجة والغيرة عليها واحترامها.

وأشار إلى أن الإسلام كره الطلاق ونفر منه، وفى الحديث: “ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق”، موضحا أن الزوجين شريكان لا غريمان، ما كان فى مصلحة الزوج فهو فى مصلحة الزوجة، وما كان فى مصلحة الزوجة فهو فى مصلحة الزوج، ومن بعدهما مصلحة الأُسرة والأقارب والمُجتمع، فتعاوُنهما تبادل للمصالح بينهما يخوضان معترك الحياة، يحققان أهدافهما الهدف تلو الآخر .

وأكد خضير أن الزواج ليس رابطةً بين شخصين فقط، بل هو علاقة وثيقة بين أسرتين وميثاق غليظ بين زوجين، مطالبًا الزوج بالتدرج فى التعامل مع الأمر من خلال الوعظ ثم الزجر، ثم الهجر، وإلا فتحكيم الأهل والإصلاح، وفى حال الفشل فى تلك الأمور فليقم بالطلاق .

Facebook Comments