“سنستخدم كل القوة الغاشمة”.. شعار قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي على مدار خمس سنوات من انقلابه العسكري، في تصفية كل المعارضين والرافضين لجرائمه.

لم يتوقف السيسي عند هذا الحد، بل عمل على اغتيال مؤيديه سياسيا واعتقالهم، حتى إن أياديه وصلت إلى زملائه وقادته ورؤسائه السابقين، أمثال سامي عنان، فنكل وبطش بهم، واتهمهم بدعم الإرهاب، في الوقت الذي يبسط السيسي فيه يده بالقتل للغلابة والمهمشين، بعد أن وعد الضباط الذين ينفذون جرائمه بأنه لا حساب في الدنيا لمن يقتل مصريًّا، أما حسابهم في الآخرة فعلى الله سبحانه وتعالى، فهو المنتقم والمطلع على جرائمهم ما بين الاغتيال والتصفية تارة، والاختفاء القسري والتعذيب في معتقلات الانقلاب تارة أخرى.

هذا ما كشفت عنه القصة في نهاية هذا المشهد المأساوي الذي تعيشه مصر بعد ثورة وانقلاب، حيث أعلن قطاع الأمن الوطني بوزارة داخلية الانقلاب، عن تصفية 14 مواطنًا دون تحقيقات، زاعما أنهم كانوا يشكلون بؤرة إرهابية تخطط لتنفيذ سلسلة من العمليات الإرهابية ضد المنشآت المهمة والحيوية ورجال القوات المسلحة والشرطة بإحدى المناطق النائية بمدينة العريش.

تأتي عملية العريش استمرارا للقوة الغاشمة التي أعلنها السيسي، ليختم السيسي تكليفه لرئيس أركان الجيش باستعادة الأمن في سيناء خلال 3 شهور فقط بتاريخ 29 نوفمبر 2017، خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي، مستغلا حادثة مجزرة مسجد الروضة والتي وقعت قبلها بأيام بتاريخ يوم الجمعة 24 نوفمبر 2017، وراح ضحيتها 314 مواطنا، وتبدأ عمليات القوة الغاشمة، في الشهر الثالث والأخير من التكليف بتاريخ 9 فبراير 2018.

القوة الغاشمة

يقول المعهد المصري للدراسات، في بحث مطول عن ثمار أعمال السيسي الغاشمة وجرائمه الوحشية في سيناء، إن هذه العملية هي امتداد للعملية العسكرية التي تم الإعلان عنها في نوفمبر 2017، على أرض الشمال الشرقي من شبه جزيرة سيناء ليست هي العملية الأولى التي تشنها القوات المسلحة المصرية منذ ثورة 25 يناير 2011، بل هي العملية السابعة.

واستعرض البحث عمليات العسكر خلال سبع سنوات، والتي بدأت بالعملية نسر ـ 1، وتمت في عهد المجلس العسكري وحملت اسم (نسر 1) وهذا بتاريخ 12 أغسطس 2011، وهذا عقب موافقة إسرائيل على زيادة عدد قوات الجيش ودخولها مناطق كانت محظورة سابقًا وفقا لاتفاقية كامب ديفيد، وكان الهدف من العملية تأمين خط الغاز الرابط ما بين مصر وإسرائيل وانهاء نشاط القائمين على عمليات التفجير، وهذا بعد عمليات متعددة استهدفته لقطع تصدير الغاز المصري لإسرائيل، وهي العمليات التي لاقت ردود شعبية واسعة مؤيدة حينها واشتهر منفذها باسم “الملثم”.

وفشلت العملية في تأمين خط الغاز أو القضاء على نشاط القائمين على تنفيذ العمليات، وهو ما يتضح من متابعة الأخبار المنشورة عن استمرار عمليات “الملثم” وهذا في نوفمبر 2011 ، حتى وضع موقع اليوم السابع الإخباري خبرا بتاريخ 8 يناير 2016 بعنوان (كلاكيت “31” مرة.. الملثم يفجر خط الغاز بالعريش) ، ولكن الأبرز أنه وبعد بدأ العملية (نسر 1) بستة أيام وبتاريخ 18 أغسطس، قام 4 مسلحون بالتسلل من سيناء إلى الأراضي المحتلة مستهدفين القوات الإسرائيلية، ثم وفي شهر سبتمبر 2011 أعلن تنظيم أنصار بيت المقدس عن نفسه بشكل رسمي للمرة الأولى بتبنيه لتلك العملية التي تمت بالقرب من منطقة أمر الرشراش المحتلة والمعروفة الآن باسم “إيلات”.

العملية نسر 2

تمت في عهد الرئيس محمد مرسي وحملت اسم (نسر 2)، بتاريخ 5 أغسطس 2012، وجاءت ردا على هجوم استهدف نقطة عسكرية حدودية قرب معبر كرم أبو سالم بمحافظة شمال سيناء، وأدى الهجوم إلى مقتل 16 عسكريا حينها، ولم تتبناه أي جماعة مسلحة في سيناء.

وكان هدف العملية (نسر 2) تطهير سيناء من البؤر الإرهابية وتعزيز القوات العسكرية بمناطق العمليات “ب” و”ج”، مع تحصين النقاط العسكرية والأمنية وتكثيف تأمينها بمناطق رفح والشيخ زويد ورفح، والسيطرة على طرق التحرك.

حق الشهيد

وتمت في عهد قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، وحملت العمليات اسم (حق الشهيد 1، 2، 3، 4)، وبدأت في شهر سبتمبر 2015 واستمرت حتى عام 2017، وجاءت بدايتها بعد هجوم تنظيم الدولة الشهير على منطقة مدينة الشيخ زويد وسلسلة كمائن البركان في الأول من شهر يوليو 2015، حيث استطاع التنظيم من فرض سيطرته الميدانية على مناطق العمليات في الشيخ زويد لعدة ساعات قبل أن تتدخل طائرات حربية، قيل حينها إنها إسرائيلية بعد استنجاد المؤسسة العسكرية بالجانب الإسرائيلي، في حين ذكر آخرون أن الطائرات الحربية كانت مصرية.

ووفق مصادر عسكرية سابقة، فإن الأوامر صدرت حينها بضرب جميع النقاط العسكرية التي تم الاستيلاء عليها أو تدور في محيطها اشتباكات، والقضاء على من فيها سواء كانوا مسلحين أو قوات جيش، وهذا بهدف منع سقوط معدات أو أفراد أسرى في يد المسلحين، ووفق بيانات المتحدث العسكري والتقارير الشهرية المنشورة، فقد كان هدف العملية السيطرة وتطهير مناطق النشاط المسلح في شمال ووسط سيناء.

وجاءت نتائج العملية وفق بيانات المتحدث العسكري بزعم القضاء على البؤر الارهابية في شبه جزيرة سيناء بالكامل، والسيطرة على وتطهير جبل الحلال وسط سيناء، وإحكام وفرض السيطرة الأمنية الكاملة على مدن؛ رفح، والشيخ زويد، والعريش، بل إن مدير المخابرات الحربية اللواء محمد فرج الشحات زعم في كلمته بالندوة التثقيفية الـ 24 للقوات المسلحة في فبراير 2017، أنه تم القضاء على 500 مسلح وأن التنظيم فقد توازنه بسبب العمليات العسكرية ، في الوقت الذي يذكر فيه أن أقصى التقديرات حول أعداد المسلحين المناوئين للنظام المصري في سيناء بلغت 1500 مسلح.

وقال المعهد المصري للدراسات، إنه بحساب الأرقام المعلنة من المتحدث العسكري منذ عام 2014 وحتى الآن، سنجد أن عدد المسلحين الذين أعلن رسميا عن قتلهم قد تجاوز تلك التقديرات، وهو ما يعني أنه إما أن الانتصارات التي تعلنها المؤسسة العسكرية هي انتصارات وهمية، وأنها لا تستطيع اتباع استراتيجية عسكرية ناجحة، أو أن أعداد القتلى يعود في الكثير منها لمواطنين مدنيين تم قتلهم خارج إطار القانون بدعوى الاشتباه أو الانتقام السياسي، أو أن سياسة النظام تدفع المزيد من الإفراد للعمل المسلح دفاعا عن أنفسهم، أو نتيجة القمع والانتهاكات التي تمارس بشكل غير مسبوق في تاريخ مصر، وعند متابعة وتحليل المشهد في سيناء أرى أن كل الأسباب السابقة حقيقية، ويمكن الاعتماد عليها في تفسير ما يحدث في سيناء.

العملية الشاملة سيناء 2018

في 9 فبراير 2018، أعلن المتحدث العسكري للجيش المصري انطلاق عملية عسكرية أطلق عليها “العملية الشاملة سيناء 2018”، تستهدف تطهير جميع بؤر العمليات المسلحة ليس فقط على مستوى محافظة شمال سيناء بل على الجمهورية كلها، ويمكن تقييم تلك العملية من خلال الجوانب التالية:

أخذت العملية شكلا استعراضيا يهدف إلى تعزيز مكانة القوات المسلحة شعبيا، وتعزيز مكانة عبد الفتاح السيسي غربياً كشريك في مكافحة الإرهاب، وقد جاء بدء العملية في الشهر الثالث والأخير من المدة التي منحها السيسي لرئيس أركان القوات المسلحة في شهر نوفمبر 2017 باستعادة الأمن في سيناء باستخدام القوة الغاشمة.

تم التعامل مع محافظة شمال سيناء كمنطقة عسكرية معادية، وهو ما أدى إلى قيام قوات الجيش والشرطة بفرض حصار عليها، وتضمن الحصار غلق محطات الوقود، والتحكم في المواد الغذائية المسموح بدخولها.

اكتسبت قوات الجيش والشرطة المزيد من العداوات والخصومات المحلية، نتيجة غياب الرقابة القانونية وتأمين الضباط والعسكريين من المحاسبة، وسياسة الحصار الغذائي الذي فُرض على سكان محافظة شمال سيناء، وقيام قوات الشرطة وجهاز الأمن الوطني باعتقال سيدات وإهانتهم في مدينة العريش تحديدا.

لم تستطع الحملة العسكرية الالتزام بالوقت المحدد “3 أشهر”، والذي أعلن عنه عبد الفتاح السيسي، حيث طلب رئيس الأركان الفريق محمد فريد حجازي، بمد الفترة لأكثر من 3 أشهر.

مشاكل مستقبلية

أكد المعهد المصري أنه لا يمكن وصف عملية المواجهة الشاملة بالنجاح النهائي رغم نجاحها في شل قدرات التنظيم والحد من فاعليته بشكل كبير، حيث إنها وبالرغم من كشفها الكثير من البنى التحتية للتنظيم، إلا أن هذا مشابه لما فعلته العمليات السابق (نسر، وحق الشهيد) بمراحلهم، والشيء الوحيد المؤكد الذي حققته عملية المواجهة الشاملة سيناء 2018، أنها نجحت في اكتساب أعداد إضافية من السكان تكن مشاعر الكراهية لقوات الأمن والجيش المصرية، وهو ما سيؤدى لمشاكل مستقبلية، أيضا قد تؤدى سياسة الجيش هذه إلى دفع تنظيم الدولة لتغير استراتيجيته داخل سيناء والانتقال إلى العمل الأمني والاغتيالات، ولكن هذا يستلزم منه تغيير بعض قياداته ومفردات خطابه وطريقة تعامله مع السكان المحليين الذي خسر التنظيم تعاطف الكثير منهم بعد مجزرة مسجد الروضة.

كما تم الكشف عن ظهور حالات قتل علنية لسيدات وأطفال من قبل قوات الجيش والميلشيات المحلية، وفق مصادر قبلية، حيث قامت قوات الجيش بتصفية سيدتين (أم حذيفة وأم إبراهيم) من قرية المطلة برفح، أيضا عُثر على جثة لسيدى على طريق الوادي بالعريش على جسدها علامات للتعذيب وطلقات نارية بجوار حي العروج بالعريش يوم 13 مايو، ووفق مصادر أخرى فإن هناك 3 جثامين لنساء أخريات تم رميهن بمقابر مدينة الشيخ زويد، أيضا نشرت قناة الشرق الفضائية بتاريخ 7 مايو، فيديو يتضمن تصفية شاب صغير في وسط سيناء، على يد ضباط وعساكر الجيش المصري.

وقام عدة نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي بإعادة تداول الفيديو ولكن دون مونتاج، وهو ما سبب صدمة لما يحتويه على مشهد صريح من قتل شاب صغير يستغيث بأمه، ليقوم أحد مسئولي الجيش المصري بوعده أن والده سيأتي ليأخذه، وهذا قبل أن يتم إطلاق الرصاص على رأس الشاب الصغير وجسده.

Facebook Comments