بين الفشل والعمالة وضيق الأفق وإدارة مصر على طريق العسكر، بعيدًا عن السياسة التي تدار بها المجتمعات، يصر السيسي على السير بعيدًا في إحراق كل السفن التي قد تكون وسيلة نحاة لمصر من الغرق والإفلاس وتحولها إلى دولة فاشلة.

تلك هي خلاصة نهائية لما تفتق عنه ذهن السيسي، وولده محمود، من تعاطٍ مع تفاعلات الساحة المصرية، بخسب خبراء.

فبعد مظاهرات شعبية كسرت حاجز الخوف، ظهر خلالها السيسي مرتبكًا، بعد رسائل الداخل الذي طفح منه الكيل، وتوصيات مخابراتية من أعوان السيسي بالخارج، لتخفيف القبضة الأمنية الغاشمة التي يدير من خلالها مصر.

وبدأ السيسي واضحًا ومصرًّا على غبائه، في أول لقاء له مع جماهيره من العسكريين ومؤيديه، خارقا توقعاتهم بتخفيف خطابه القمعي والتجاوب مع الجماهير ورغباتهم، رافضا أي حوار مجتمعي أو الاستماع لمؤيديه في أي قضية، معلنا الاستماع إلى نفسه ونجله محمود، الذي يعمل مع دائرة ضيقة تتجاوز حتى عباس كامل مدير المخابرات العامة، وذلك خلال الندوة التثقيفية الـ31 للقوات المسلحة.

مؤشرات نيرون – السيسي

وعلى النقيض من مساعي دائرته لإشعار النخب السياسية والإعلامية وعموم المواطنين بتغيّر نحو الأفضل وبانفتاح سياسي محدود وسماح بانتقاد الحكومة ونشر بعض المواد المعارضة لتوجهات السلطة بعد الحراك الشعبي الأخير في 20 سبتمبر الماضي، أهدر عبد الفتاح السيسي فرصة أخرى للبرهنة على حسن النوايا تجاه المجال العام، وأغلق بابًا كان يرجو بعض المقربين منه فتحه للتعاطي بشكل إيجابي مع المطالب والمخاوف النخبوية والشعبية.

وأتى ذلك عبر حديثه المنغلق على ذاته والرافض للنصائح والمناشدات وحتى الملاحظات البسيطة، خلال إجاباته على استفسارات بعض الحاضرين في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة التي عقدها الجيش، الأحد.

وبعنجهية العسكر، جاءت ردود السيسي وإيماءاته عنيفة وقاسية على مؤيديه وأقرب مقربيه؛ حيث بدأ السيسي وكأنه يغلق الباب بقسوة ملحوظة يشوبها الاضطراب، في وجه بعض المناشدات التي صدرت عن شخصيات لا يمكن وصفها إلا بأنها موالية للسلطة قلبًا وقالبًا، كالنائب والإعلامي مصطفى بكري، الذي طالبه – بأسلوب مصطنع مبالغ في التهذّب والحيطة – بأن يعيد عقد جلسات حوارية مع الإعلاميين ليستمع إلى آرائهم في الأوضاع الحالية، مشيرًا إلى أنّ “الإعلام هو عرض الرأي والرأي الآخر”، وزاعمًا أنّ “السيسي يؤمن بحرية التعبير”، وذلك كله في رجاء لينهي الأخير فترة القطيعة المباشرة بينه وبين الإعلام والإعلاميين.

وجاء رد السيسي على مناشدة بكري مهينًا للإعلاميين، فتحدث عن ضرورة أن يجلس مع أشخاص لديهم رؤية ومعرفة كاملة وإدراك بتفاصيل المشاكل التي يتحدثون بشأنها؛ لأنه لن يضيع وقته مع أشخاص لا يقدمون رؤية أو فكرة سليمة.

وهو ما يعكس تقوقع السيسي على ذاته وقلّة الأشخاص الذين يثق بهم ويمنحهم مساحة للتعبير عن رؤاهم، وهو ما يتضح بالضرورة في محدودية دائرته الشخصية واعتماده على عدد ضئيل من العقول التي تنتج بالتبعية كمًّا ضئيلاً من الأفكار والمقترحات، معظمها يكون في اتجاه واحد؛ قمعي وسلطوي.

وتكرر المشهد عندما ردّ السيسي بقسوة على نائب رئيس جامعة سيناء، صلاح سالم، الذي طالبه بالإعلان عن موعد لانتهاء الحملة العسكرية في سيناء، وإعادة مواطنيها المهجرين إلى منازلهم، وصرف التعويضات العادلة لهم، واعتبار ضحايا المدنيين شهداء يستحقون ما يتم صرفه من معاشات لأفراد وضباط الجيش. وعبر السيسي عن غضبه الشديد لاستخدام كلمة “التهجير”، زاعمًا أن ما حدث ليس تهجيرًا.

Facebook Comments