يبقى يوم 28 يناير 2011 تاريخا فاصلا في تاريخ مصر الحديث؛ ففيه ثبتت الثورة المصرية في وجه نظام مبارك ودولته، بعد أن تفجرت يوم الخامس والعشرين من يناير على أيدي الشباب الذين أعلنوا نهاية عهد الظلم والقهر الذي جثم على قلوب المصريين 30 عاما.

لم يجد نظام مبارك سوى أن يقطع الاتصالات، فتوقفت الهواتف عن العمل، وامتلأت ساحات المصلين عن آخرها، معلنين التحدى لقوات الأمن المحيطة بالمساجد والميادين، والتي غلفت المشهد الذى انفجرت بعده سلسلة من أحداث تشابكت لرسم ثورة مصرية احتفظت لنفسها بملامح خاصة كان للمصريين فيها الكلمة العليا.

وعلى كوبرى قصر النيل، دوى الرصاص الحى لأول مرة بين منعطفات الهروب وساحات الاشتباكات، مشهد اقتحام الميدان، وحرق أقسام الشرطة، ونهب مصر فى ساعات انشغال الثوار بكتابة تاريخ الثورة، مسيرات المصريين التى اجتمعت وتوحدت واختارت البقعة ذاتها دون الحاجة لاتفاقات مسبقة، وغيرها من مشاهد “جمعة الغضب” صاحبة الذكرى الأولى ومشهد النهاية فى عمر نظام رحل بثورة الشباب.

كان سبب اختيار الثوار ليوم الجمعة لإعلان غضبتهم فى 2011 كونه يوم عطلة رسمية، يسمح بخروج أعداد كبيرة من المتظاهرين يتجمعون فى وقت واحد عقب انتهاء صلاة الجمعة ومن بعدها صار هذا اليوم قبلة الثوار بمختلف اتجاهاتهم منذ الحكم العسكرى.

هتاف واحد لم يكن الاتفاق عليه معلنا، أصوات علت ترج كوبرى “قصر النيل” بمن فوقه من قوات احتشدت على المخارج تاركة للثوار حرية التقدم داخل فخ مدرعات الأمن المركزى، مسافة قصيرة فصلت بين الصفوف الأمامية وطلقات الرصاص الحى وقنابل الغاز التى ارتفعت أدخنتها لرسم لوحة تقفز إلى مخيلتك بمجرد ذكر يوم “جمعة الغضب”، وملحمة “كوبرى قصر النيل” على وجه التحديد، مشهد لمدرعات الأمن التى اخترقت صفوف المتظاهرين، وآخر لخراطيم المياه التى انهمرت على المصليين، ومشاهد أخرى تنوعت بين رصاص حى اخترق الأجساد عشوائياً، وأدخنة ارتفعت فوق الرؤوس ومدرعة دهست المتظاهرين، وغيرها من المشاهد التى رسمت ملحمة هى الأعظم فى تاريخ الثورة، وتركت لكوبرى قصر النيل مكاناً ثابتاً فى فصول تاريخ الثورة المصرية.

قطع الاتصالات حيلة العاجز

وقبل ساعات من بداية المسيرات أعلنت شبكات الاتصالات اختفاء شبكة الإنترنت وغلق خطوط التليفونات التى تركت مصر بالكامل دون وسيلة اتصال، أو طريقة قد تساعد على تجمع المتظاهرين اللذين تخلوا عن هواتفهم وقرروا النزول لتجمعهم الصدفة، ميدان التحرير كانت جهة التحرك، وهتافات “سقوط النظام” و”سقوط العادلي”، وإعلان نفاد الصبر ونهاية عصر مبارك كانت هى علامات التحرك، ولم يدرك النظام وقتها أن قطع الاتصالات كان السبب الأقوى فى تكوين صداقات للمرة الأولى بين من فرقت جماعاتهم قنابل الغاز وألقت بهم على جماعات أخرى، ولا فى الصور الإنسانية بين من فتحوا بيوتهم لاستقبال المتظاهرين، وغيرهم ممن وقفوا بسياراتهم لنجدة من لحق به الأمن، أو أعلن استعداده لنقل المصابين، وغيرها من مظاهر التلاحم الشعبى الذى كان لغياب الاتصال الفضل الأول فى رسمها يوم جمعة الغضب.

الرصاص الحي

حالة من الفزع لم يعشها المتظاهرون قبل 28 يناير 2011، ورغم تكرارها فيما بعد لكن تبقى الرهبة الأولى حاضرة فى الأذهان، وتخفق قلوب ثوار يناير متى تذكروا ساعات ذلك اليوم الطويلة التى قضوها فى محاولات مستميتة للهروب من طلقات الرصاص الحى التى تحصد الأرواح من حولهم فى كل مكان.

طلقات القناصة حصدت فى ذلك اليوم أرواح ما يزيد عن ألف شهيد وآلاف المصابين فاضت بهم المستشفيات، خرجوا من جمعة الغضب بطلقة فى القدم أو البطن أو فى العين.

التخويف بإطلاق السجناء

السادسة مساء بتوقيت الثورة، نجح الثوار فى اقتحام الميدان، وأعلن الجيش حظر التجول، ومازالت الاشتباكات الدامية بين الثوار وقوات الأمن تنهى آخر ما تبقى من وجودهم قبل ساعات من نزول قوات الجيش، جانب آخر لم يشعر به من رسم بطولات الميدان مساء جمعة الغضب، وانشغلت بنقله الفضائيات التى أطلقت صرخات استغاثة مفتعلة بثت الرعب فى قلوب من بقوا فى منازلهم، فتح ستة سجون مصرية وإطلاق المساجين، ووضع الشوارع المصرية على حافة المجهول، بين اختفاء قوات الداخلية، وانتشار المسجلين خطر فى الشوارع، كمشهد حصرى ليوم جمعة الغضب التى شهدت ساعات متواصلة من الفوضى والرعب الذى اختلفت ملامحه عن رعب الميدان، وترك للمصريين رعب آخر لم تتحدد معالمه سوى بعد خروج اللجان الشعبية للتصدى للمساجين اللذين أضافوا للشوارع المصرية منذ ذلك الوقت مظاهر البلطجة والفوضى والفراغ الأمنى وقوات اللجان الشعبية وغياب الأمن.

السرقة والنهب لتشوية الثورة

كما شهدت الميادين الكبرى معارك دامية، ورسمت الرصاصات الطائشة قائمة بأسماء شهداء الثورة، تعرضت معظم المحلات ومراكز التسوق المصرية للنهب عن آخرها، شوارع كاملة تم تكسير واجهاتها، ومحلات لم يترك فيها اللصوص ومن خرجوا من السجون مقعداً واحداً، محلات السيارات ومراكز التسوق، والمحلات الكبرى، الصيدليات، ومحلات الطعام، والملابس، والأجهزة الكهربائية، وحتى أجهزة الصرف الآلى، لم يبقى منها سوى سراب بدأت معالمه فى الظهور فى صباح يوم السبت 29 يناير، بعد انتهاء الليلة التى حملت لمصر مشاهد متناقضة من النصر والهزيمة.
وذلك من اجحل اخافة الشعب من الثورة، وهي سياسة توجه لها حبيب العادلي وجمال مبارك، كخيار اخير لحرق الوكن من اجل مقاعدهم.

للمساجد دور كبير

وكان للمساجد الدور الكبير في تجميع الثوار والهاب حماسهم، واشعال ثورة الحرية. وبرزت مساجد “مصطفى محمود” فى المهندسين، و”الفتح” فى رمسيس، و”الاستقامة” فى الجيزة، و”الخازندارة” فى شبرا و”عمر مكرم” فى ميدان التحرير و”السيدة زينب”.. فكان لها دور عظيم يوم 28 يناير؛ ففور انتهاء صلاة الجمعة ارتفعت الهتافات والمصلون لا يزالون داخل المساجد تطالب بسقوط النظام، وكانت خطب الجمعة فى ذلك اليوم حماسية تشجع على الخروج فى وجه الحاكم الظالم وتدعو المصلين لقول كلمة الحق فى وجه سلطان جائر.

تجمع المصلون أمام كل مسجد ورددوا الهتافات حتى انضم إليها المارة ، لتبدأ المسيرات التى صبت جميعا فى ميدان التحرير ليتحول ذلك إلى تقليد يتكرر فى كل مظاهرة كبيرة تبدأ بصلاة الجمعة.

البصل والخل والبيبسي.. وسائل الردع الثوري!

وقبل ساعات من جمعة الغضب امتلأت صفحات التواصل الاجتماعى ببعض النصائح الموجهة من المتظاهرين التونسيين إلى المصريين، وكان من أهمها “توافر النظارات الوقائية المضادة للغازات المسيلة للدموع ورذاذ الفلفل
والخل والبيبسى”، لمقاومة أعراض القنابل المسيلة للدموع من الاختناق وجفاف العين.. تجنب تعرق الجسم لأنه يستوعب الغازات المسيلة للدموع والاستحمام فى كل فرصة للتخلص من العرق.. مطافئ الحريق لفاعليتها الشديدة لحجب رؤية قوات حفظ النظام المرتدية للأقنعة والحاملة للدروع الشفافة.. المطارق كوسيلة لتكسير الأرصفة وصنع الحجارة لمحاولة تفرقة قوات الأمن.. سدادات للأذنين والتى يمكن الحصول عليها أو صنعها بشكل مرتجل بسهولة فى حال استخدمت القنابل أو الأسلحة الصوتية.

وأمام تحدي وصمود الشعب انكسرت إرادة المستبد.. وهو ما يمكن استخلاصه من الذكرى التي تظل قابلة للتكرار في ظل عودة القمع والاستبداد العسكري مجددا!!

Facebook Comments