كتب سيد توكل:

 

"عودوا إلى مقاعدكم".. لم تكن مجرد جملة عابرة نطق بها قاضي محكمة النقض تبرئ ساحة وزير السياحة الأسبق زهير جرانة، آخر وزير سياحة في عهد المخلوع حسني مبارك، من كل تنكيل مستحق بتلك العصابة ، لكنها كانت بمثابة الانطلاقة غير المسبوقة لعودة كل ما يخشاه المصريون وكل ما ثاروا من أجله وكل ما كان قبيحا يصعب التعايش معه أو التفاوض على وجوده، وليست تلك العودة المملوءة بحياء الجرم، لكنها عودة مصحوبة بتطليع اللسان والتنكيل بكل من آمن بثورة 25 يناير. 

 

وقررت المحكمة اليوم الثلاثاء إلغاء الحكم الصادر ضد "جرانة" بالسجن المشدد 5 سنوات، وعزله من وظيفته، في قضية بيع أرض "جمشة" بمدينة الغردقة، بسعر أقل من سعر السوق لرجلي أعمال، وقضت ببراءة المتهم.

 

وجاء في أسباب الطعن وجود خطأ وبطلان إجراءات إصدار الحكم، بالإضافة إلى بطلان الحكم ومخالفة الثابت في الأوراق والقصور في التسبيب والبيان والفساد في الاستدلال والخطأ في تطبيق القانون والاستناد إلى أن المحكمة لم تفحص أوراق الدعوى، وألمّت بها على الوجه المُفحَص الذي فطنت إلى أدلتها.

 

ويواجه "جرانة" اتهامًا ببيع مساحات شاسعة من الأراضي تقدر بعشرات الملايين بمنطقة “الجمشة” بمدينة الغردقة بسعر دولار واحد للمتر، بما يقل عن سعر السوق بالمخالفة للقواعد المقررة قانونًا، ما ترتب عليه تربيح الغير والإضرار بالمال العام.

 

وليس غريبا أن الشامخ ظل في خدمة "مبارك" وحاشيته حتى بعد مغادرته قصر الرئاسة، مستدرجا الجماهير إلى فخ الثقة في قدرته على تحقيق القصاص وإعادة الحقوق المنهوبة، بإصداره أحكاما أولية ضد المخلوع وعصابته ومنهم "جرانة" بالسجن، حتى إذا ما اطمأنت الجماهير وغادرت ساحات الثورة، فوجئت بمطرقة المنصة الثقيلة تهوي على الرؤوس بأحكام البراءة المتلاحقة، معلنة أن الإدانة كانت حكما أوليا، أسقطته البراءة بحكم نهائي، فلا قصاص لمن قتل، ولا استرداد لما نهب.

 

ولم ينس القاضي وهو يؤكد "إحكام الفخ" أن يختم كلامه بعبارة "عودوا إلى مقاعدكم" التي أصبحت "علامة مسجلة"، ترجمها العوام في الشارع إلى "اتنيلوا على عينكم"!

 

الشعب أمام خيارين

ويبدو أن عصابة المخلوع مبارك، ورموز نظامه الذين نالوا كوبون البراءة وآخرهم "جرانة"، قد نجحوا في تخطي تجليات ثورة 25 يناير، التي وضعتهم لفترة من الزمن خلف القضبان، وباتت أحكام البراءة التي انعم عليهم بها الانقلاب تطاردهم بدلا من أن تطاردهم أيادي الثوار الغاضبة، وبات ظهورهم على شاشات فضائيات الانقلاب أمرا مكرراً، وسط حفاوة إعلامية لا تستحي من عورتها.

 

 

 

ويفسر المتحدث السابق باسم التحالف الوطني لدعم الشرعية إسلام الغمري ذلك بأن "النظام يرغب في إيصال رسالة واضحة بأن ثورة يناير ومكتساباتها قد انتهت، وخاصة بعد عودة رموزه إلى الساحة السياسية".

 

وأضاف: "عبارة قاضي البراءات في محاكمة مبارك؛ لخصت ما يحدث اليوم، حيث قال في جملته الشهيرة: عودوا إلى مقاعدكم".

 

وقال إن الشعب المصري أمام خيارين؛ "إما القبول برسائل النظام العسكري، والعودة إلى حكم ما قبل 25 يناير، أو الثورة وانتزاع حقوقه من النظام الذي يسعى لتسخير أجهزته الأمنية في قمع الشعب وإرهابه".

 

من جانبه يقول الكاتب والمحلل السياسي فؤاد التوني:" ربما لا يعمر مبارك طويلا ليستمتع بحريته، إن تم أطلاق سراحه، الرجل في نهاية العقد الثامن ويعاني المرض، هذا المرض أحد أسباب ضعفه ، فقد ترك الحبل على الغارب لولده جمال ومجموعة من الفاسدين تكالبوا على ثروات البلاد، وهم ما عجل بثورة 25 يناير".

 

مضيفاً:" لقد كان مبارك ديكتاتورا غبيا، غباؤه يتمثل في عجزه عن فهم المتغيرات الدولية والاستفادة من لحظة تاريخية كان يمكن أن ينقل فيها مصر إلى نظام مدني ديمقراطي يخلد اسمه، لكن تشاء الأقدار أن يقضي الرجل ما تبقى من حياته بين السجن والمستشفى، وأن فرح بالبراءة حينا من الدهر فسيكون حسابه عند ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم".

 

رسائل الانقلاب مفضوحة

من جهته؛ قال عضو المكتب السياسي لحزب مصر القوية، محمد القصاص: إن "نظام السيسي لا يعادي نظام مبارك، بالرغم من ادعائه بأنْ لا عودة للنظام القديم".

 

 

 

واعتبر كومبو البراءة "نوعًا من رد الاعتبار لهم، والتشفي بمن قاموا بثورة 25 يناير"، مشيرًا إلى أن "رموز نظام مبارك منتشرون في جميع مفاصل الدولة، ويسيطرون عليها، ويتحكمون في بوصلتها كما يشاؤون".

ولفت إلى أن "النظام الحالي لو أراد منع ظهور مبارك ورموزه؛ لفعل، ولكنه لم ولن يفعل، إما لأنه مرغم على ذلك، أو راض عنه، وأيًّا كان فهي رسالة بأنهم انتصروا على الثورة".

بينما تقول الكاتبة السياسية "ريهام مهدي": "كل شيء قبيح وقميء وغث يعود إلى مقعده، كل شيء ونبقى نحن دراويش الثورة ومن آمن بها ومن تلقى فجيعتها مرة تلو الأخرى، لا ندري إلى أين يستقر بنا الحال.. كنا سنكتفي بمقاعد ارتضيناها بعد أن ضاقت علينا الأرض بما رحبت، مارسنا فيها اليأس والغضب بصمت، أطلقنا زفرات من التململ من الحياة بأسرها، فارتدت علينا الزفرات نارًا ودمارًا، صنعنا لأنفسنا ملاذات وهمية من الموسيقي والأفلام والدوائر الصغيرة غير القادرة على اتعاسنا بقدر يفوق إرادتنا، لكننا اليوم لا نستطيع العودة إلى تلك المقاعد.. لا لأننا لا نريد، لكن لأنه لم يعد لدينا مقعد في تلك اللحظة في تاريخ بلد آمنّا به وآمنّا أن كل منا يستحق حياة تليق بإنسانيته".

وتضيف: "لا نستطيع العودة إلى مقاعدنا، لأننا إن عدنا سنتذكر من رحلوا بطلقة غادرة، ومن اختطفوا ومن تمّ التنكيل بهم في غياهب السجون، ومن تمّ التنكيل بهم في السجن الأكبر، ومن تمّ التضييق عليهم لأنهم تمّ تصنيفهم أنهم أعداء الوطن، ومن تمّ نفيهم قهرا وقسرا خارج حدود وطن كنا نحلم فقط أن يكون لنا مقعد يليق به وبنا وبالحلم الذي نحمله له".

 

 

 

 

Facebook Comments