قبل بدء العد التنازلي لبداية العام الدراسي الجديد 2019/2019، ارتفعت أسعار الدروس الخصوصيّة، وزادت بنسبة 150 في المائة، خاصة لطلاب الشهادات الإعدادية والثانوية العامة، وانتشرت الملازم والمراجعات في مختلف مدارس المحافظات، وجميع المراحل التعليمية الابتدائية والإعدادية والثانوية، بالإضافة إلى الجامعات.

ويشكو أولياء الأمور من ارتفاع أسعار الدروس، مؤكّدين أنها تحوّلت إلى "بيزنس" وقد باتت تُهدّد الأسر المصرية. ويتّهم بعض الأهالي المدرّسين الخصوصيّين بـ"الجشع"، وأنه لا همّ لهم غير الحصول على المال من التلاميذ، الأمر الذي يشكّل عبئا اقتصاديا عليهم. في المقابل، يرى كثير من هؤلاء المدرسين أن شهري إبريل ومايو هما فرصتهم لجمع المال.

15  مليار جنيه سنويًّا للدروس الخصوصية

وأظهرت نتائج آخر الإحصائيات أن الدروس الخصوصية تلتهم سنويا ما بين 12 و15 مليار جنيه من ميزانيات الأسر المصرية، التي تلجأ في كثير من الأحيان إلى الاقتراض لسداد أجور المدرسين الخصوصيين.

كما أكدت دراسات حديثة أنه بجانب الإنفاق العائلي عليها هناك 1.5 مليار جنيه تذهب لشراء الكتب الخارجية في الوقت الذي تعاني فيه مصر من معدل نمو منخفض، إلا أن المشكلة ليست اقتصادية فقط بل لها آثارها الاجتماعية السلبية علي الطلبة في المستقبل، حيث التعود على الاعتمادية والخمول العقلي وعدم خلق مشروع باحث جيد يبحث عن المعلومة والمعرفة بأسلوب علمي معاصر.

الاعتماد على الحفظ

خبير المناهج والمواد التعليمية، سالم الرفاعي، أكد أن انتشار الدروس الخصوصية في مصر ظاهرة اجتماعية متجذرة في المجتمع منذ سنين طويلة.

وحمّل في حديثه، الأسر المصرية المسئولية الأولى عن تفاقم تلك الظاهرة، ولجوء الكثير من الأسر للدروس الخصوصية رغم صغر سن الطلاب، لعدم رغبة الوالدين في بذل مزيد من الجهد في المذاكرة لأبنائهم.

وأوضح الخبير التربوي أن التنافسية الشديدة بين الطلاب في المرحلة الثانوية للالتحاق "غير المبرر" بكليات القمة، أدت إلى ازدياد الإقبال على الدروس الخصوصية، لافتا إلى أن الدروس الخصوصية تعتمد على التحفيظ والتعويد على الامتحانات ولا تستطيع تكوين عقلية الطالب وفكره.

وأكد الرفاعي أن طريقة الامتحانات ساعدت على تعاظم تلك الظاهرة، لا سيما أن الامتحانات تفتقر لمهارات التفكير، ولا تقيس مستوى ذكاء الطالب وفهمه.

ورأى أن "الطامة الكبرى" في أن معظم من يعطون الدروس ليسوا معلمين متخصصين أو دارسين لطرق التدريس التربوية، "ويلجأ البعض لتأجير قاعات ومسارح بها آلاف الطلاب لإعطاء الدروس".

غول للأسر المصرية

في هذا الإطار أيضا، يقول الخبير التربوي كمال مغيث: إن الدروس الخصوصية في مصر باتت ظاهرة خطيرة و"غولاً" يفترس الأسر المصرية. ويشرح أن عوامل عدة ساعدت على انتشار الدروس الخصوصية، منها الازدحام في الفصول، وعدم التزام بعض المدرسين، وغياب رقابة الجهات المعنية في الدولة، وقدرة المدرسين الخصوصيّين على توقع أسئلة الامتحانات، الأمر الذي يدفع التلاميذ للّجوء إلى الدروس الخصوصيّة، علّهم يحصلون على معدلات جيدة. ويرى أن التعليم في مصر يعاني من التخبّط، ما قد يؤدي إلى تدهوره.

يضيف مغيث أنه يصعب تجريم الدروس الخصوصية، وقد أصبحت بديلا عن المدرسة، مطالبا بضرورة إعادة الدور للمدرس والمدرسة، والاهتمام بجودة العملية التعليمية، وإعداد المدارس وفق نظام الجودة المعتمد، وزيادة الميزانية حتى تتمكن الوزارة من تأهيل المدارس، لافتا إلى أن "الدروس الخصوصيّة جعلت طلاب مصر اتكاليّين".

وأشارت مصلحة الضرائب إلى أن المصلحة تفتح سنويا ألف ملف للمدرسين، وقد بلغت الملفات حتى الآن 150 ألف ملف، وأكدت مصلحة الضرائب أن متوسط دخل المدرس عند الدروس الخصوصية يصل من 15 ألف جنيه إلى 60 ألف جنيه شهريًّا، وهو ما يشير بوضوح إلى مدى خطورة الظاهرة، فضلا عما تكشف عنه من تداعيات اجتماعية سيكون لها أكبر الأثر السلبي في المستقبل القريب.

ظاهرة روتينية

ويؤكد د. حامد طاهر، أستاذ الفلسفة الإسلامية وعلم الأخلاق بجامعة القاهرة، أن ظاهرة الدروس الخصوصية مسئولية مقسمة على عدة أفراد، والعنصر الأول فيها المدرس الذي لم يستطع توصيل المعلومة بصورة واضحة وسهلة للتلاميذ، والثاني هو التلميذ الذي لم يفهم جيدا أو يطالب ولي أمره بمساعدته بدرس خصوصي، أما العنصر الثالث فهو ولي الأمر الذي يستجيب لرغبة الابن أو الابنة ويتحمل نفقات الدروس الخصوصية.

مستكملاً أن الدروس الخصوصية أصبحت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة روتينية، فقد صار من الطبيعي أن يحصل الطالب علي درس خصوصي دون رؤية المعلم أو طريقة أدائه، وأصبح المفهوم السائد أن الطريق للمجموع هو الدرس الخصوصي. وأضاف أن من بين العوامل التي ساهمت في خلق جيل الدروس الخصوصية هو نمطية الامتحان وقدرة محترفي الدروس الخصوصية من المعلمين علي توقع وتخمين أسئلة الامتحان، وبالتالي يلجأ الطالب إلى ذلك للحصول علي درجات مرتفعة، لكن المشكلة أن الدروس الخصوصية تخلق من الطالب شخصا اتكاليًّا لا يهتم بما يدور داخل الفصل الدراسي المدرسي، وليس مهتما بما يشرحه المعلم لأن لديه البديل خارج المدرسة.

Facebook Comments