لطالما كانت هناك علاقة بالأحرى معركة تربط بين الفن والسياسة على مر التاريخ، وتلك المعركة حامية الوطيس، حاول فيها كلا الطرفين بسط سلطته على الآخر؛ فالسلطات السياسية حاولت دوما "شرعنة" وجودها عبر الفن، والفن هو الآخر طالما نقد المسارات السياسية واحتج عليها. 

وذلك منذ عهد نيرون؛ الإمبراطور الروماني الذي أغرق مملكته في بحور من الدم والاغتيالات للمحافظة على عرشه، لكنه في الوقت عينه كان فنانا وممثلا، يطوف اليونان مشاركا في كافة المسابقات الفنية التي لا يجرؤ أي مواطن آخر على الفوز فيها أمام الإمبراطور، وعبر عمله كممثل وفنان كان نيرون يصور دائمًا قصصا من شأنها دعم حكمه كإمبراطور.

ولأهل الفن مواقف وطنية تعمل الآلة الإعلامية العسكرية على ردمها وإهالة التراب عليها، حتى لا يراها ولا يسمع بها أحد، خوفا منة تسرب هذه المواقف وخسارة ذراع مهم مؤثر في المصريين ويخشاه العسكر، من تلك المواقف ما سجله الفنان الراحل فاروق الفيشاوي، من أنه كان يتمنى أن تبقى المؤسسة العسكرية كما كانت تحمي الحكم المدني في مصر، مشيرًا إلى أن الحكم بات "عسكري".

وأضاف الراحل "الفيشاوي" في لقاء سابق مع الإعلامي وائل الإبراشي ببرنامج "العاشرة مساء" المذاع على قناة “دريم”، أنه يدعم حمدين صباحي، المرشح الرئاسي السابق وأنه انتخبه في الانتخابات الرئاسية الماضية من أجل أن يكون الحكم مدنيًا.

رفض توريط مصر

تظهر العلاقة الجدلية بين الفنّ والسياسية في أوج وضوحها عقب الانقلاب العسكري، الذي نفذه جنرال إسرائيل السفيه السيسي، ضد الرئيس الشهيد محمد مرسي، في 30 يونيو 2013، وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي، صورة للفنان الراحل فاروق الفيشاوي، وهو داخل منزله ويحمل لافتة صغيرة يعلن من خلالها رفضه اتفاقية جنرال إسرائيل السفيه السيسي ممثلا في جهات حكومية مختصة مع صندوق النقد الدولي لمد مصر بقرض قيمته 12 مليار دولار.

وكتب على اللافتة حسب الصورة المتداولة:"أرفض قرض صندوق النقد الدولي"، وتداول النشطاء الصورة على نطاق واسع ونشرتها صفحة على "تويتر" تحمل اسم الفنان فاروق الفيشاوي، وعلقت عليها :" إنا لله وإنا إلية راجعون مات #فاروق_الفيشاوي وهو يريد الخير لمصر وهو رافض للانقلاب العسكري وهو مع ثورة يناير وهو مشارك فيها وهو ضد الظلم والأعتقال مات وهو ممنوع من التصريح فلله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بمقدار".

عصابة الانقلاب

وفي بداية شهر نوفمبر 2016، حصلت عصابة الانقلاب على الشريحة الأولى من قرض صندوق النقد الدولي بقيمة 2.75 مليار دولار، عقب إعلان البنك المركزي المصري، تحرير سعر صرف الجنيه المصري تحريرًا كاملًا أمام العملات الأجنبية بالتزامن مع بدء تنفيذ برنامج التخريب الاقتصادي.

ولد الفيشاوي في الخامس من فبراير عام 1952، لأسرة ثرية في مركز "سرس الليان" بمحافظة المنوفية، مكونة من أبوين وخمسة أشقاء، كان هو أصغرهم، واسمه الحقيقي محمد فاروق الفيشاوي.

بدأ في اقتحام عالم الفن عام 1973 بعد حصوله على ليسانس الآداب، من خلال مشاركته في مسلسل "المفسدون في الأرض"، ثم مسلسل "أرض النفاق". ولمع لاحقا في مسلسل "أبنائي الأعزاء شكرا" في عام 1979، أما سينمائيا فكان أحد أبرز أدواره عندما شارك في فيلم المشبوه عام 1981 مع الفنان عادل إمام.

ثمن المواقف

كانت عادة الصراحة التي يعتمدها الفن في أي حقبة وأي زمان في التعليق على الأحداث السياسية تقابل برد فعل عنيف من السلطات السياسية، وتاريخ الفن نفسه حافل باغتيالات لرسامين وأدباء وفنانين دفعوا حياتهم ثمنا لآرائهم السياسية، ويحضر دائما رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي، الذي اغتاله الكيان الصهيوني في لندن عام 1987، كواحد من أبرز تلك الأمثلة.

ومضت كل الأنظمة الاستبدادية الديكتاتورية دوما نحو اعتماد أدواتها الفنية والإعلامية الخاصة، التي من شأنها الرد على أي معارض لها. هذا الرد الذي يبدأ عادة بالتخوين، ويمضي للحث على التخلص من تلك المعارضة الفاسدة العميلة، وصولا للحث على القتل والإبادة الجماعية إن لزم الأمر.

وفي الستينيات من القرن الماضي، اشتهر  الفنان عبدالغني قمر بدور الرجُل الصعيدي، مثلما كان في فيلم "30 يوم في السجن"، وتحديدًا دور "نجعاوي" الذى اشتهر بهِ عبدالغني لسنوات طويلة، وعلى الرغم من خفّة الأدوار السينمائية التي اشتهر بها عبدالغني إلا أن حياة انتهت نهاية مأساوية لا تُشبه مشواره أبدًا.

صفقة القرن

وبعد قيام السادات بوضع حجر الأساس لـ"صفقة القرن" بزيارة القدس المحتلة، والإعتراف بكيان العدو الصهيوني، عارضته أغلب الدول العربية وتزعم صدام حسين جبهة الرفض، وقام باستقبال عدد من الفنانين والإعلاميين المصريين المعارضين في العراق، وتم إنشاء إذاعة "صوت مصر العروبة" برئاسة الفنان عبدالغني قمر، لتبث برامجها من بغداد، وكانت البرامج تنقسم بين السخرية من السادات، وبين انتقاد الانبطاح تحت أقدام العدو الصهيوني.

وبعد اغتيال السادات، تغيّرت السياسات خصوصًا بعد توريط صدام حسين في الحرب مع إيران، وتم إغلاق إذاعة "صوت مصر العروبة" وبقي عبدالغني قمر في العراق حتى مات في مطلع الثمانينيات، ووصفهُ شقيقه الأصغر الشاعر بهجت قمر، المؤيد للانقلاب العسكري في مصر، برأي قاسٍ قائلًا إنه "عاش خائنًا ومات غريبًا"!

Facebook Comments