نقاشات وتحركات كثيفة، أغلبها سرية وبعضها علنية لإجراء تعديلات دستورية جديدة في مصر؛ تسمح ببقاء السيسي مدى الحياة في سدة السلطة رئيسا أو وصيا على الرئيس، وهو ما سيمثل حال حدوثه الانقلاب الثالث للجنرال على دستور وضعه بنفسه عبر رجاله المقربين، حيث جرى الانقلاب الأول والأساس لما بعده من انقلابات على الرئيس مرسي في الثالث من تموز/ يوليو 2013، وكان الانقلاب الثاني على أنصار السيسي أنفسهم الذين دعموا انقلابه الأول، والذين زج بهم في السجون والمنافي ليلحقوا بمن سبقهم من رافضي الانقلاب.

التجهيزات الحالية لتعديل الدستور تتخذ من مبنى المخابرات العامة مقرا رئيسيا؛ تنطلق منه التكليفات والتوجيهات لبقية الأطراف. وجوقة التبرير والتسويق جاهزة، سواء في البرلمان الذي صنعته المخابرات على عينها ويأتمر بأمرها، أو عبر الأذرع الإعلامية التي أصبحت في غالبها ملك يمين تلك المخابرات أيضا؛ بعد شرائها غالبية القنوات والصحف والمواقع، أو عبر الأذرع الدبلوماسية التي لا تملك سوى التنفيذ حتى لا تفقد وظائفها،، أو ربما تجد نفسها في السجون ذاتها التي سبقهم إليها الرافضون.

لم ننس بعد المظاهر الاحتفالية بالدستور في كانون الثاني/ يناير 2014، والذي شهد للمرة الأولى الرقص والطبل والزمر أمام لجان الاستفتاء، وهي البدعة التي تكررت في الانتخابات الهزلية التالية للرئاسة أو البرلمان. ولم ننس قصائد الشعر التي كتبت تمجيدا في هذا الدستور الذي وصف ساعتها بأنه أعظم دستور في الكون، ولم يكن السيسي نفسه بعيدا عن هذا التمجسد والتهليل، فهو من دعا المصريين، وخاصة النساء، لأن يأخذوا أولادهم معهم للتصويت بنعم على الدستور، وهو من تعهد بحماية المصوتين من أي تهديد، وهو الذي أقسم لاحقا على احترام الدستور (وهو اليمين الغموس الذي لحق يمينه الأول أمام الرئيس مرسي).

ورغم تكرار السيسي لتعهداته باحترام الدستور، إلا أن القول والفعل نسفا ذلك تماما. فبعد عام وبضع شهور من بدء العمل بالدستور الجديد قال السيسي مقولته الصريحة: “الدستور كتب بنوايا حسنة والدول لا تبنى بالنوايا الحسنة” (13 أيلول/ سبتمبر 2015). وقد كانت تلك الكلمات هي شارة البداية لحملة مستميتة لتعديل الدستور، بما يعيد لمنصب الرئاسة صلاحيات نزعت منها لصالح الحكومة، وبما يسمح ببقاء السيسي مدى الحياة، وهذا هو الأهم، وحين سأل أحد الشباب الأفارقة السيسي في مؤتمر الشباب الأخير (9 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري) عن الرؤساء الذين يريدون البقاء في الحكم إلى الأبد، أسقط في يد السيسي، ورد بتلعثم: “لا يوجد حكم للأبد”، وأن الأمر ينتهي بعمر الإنسان، مضيفا: “ليس هناك من يستطيع الحكم 100 أو 200 سنة”، وهو رد يؤكد نوايا السيسي في التمديد مجددا. أما من ناحية العمل، فإن السيسي ورجاله لم يبدوا أي احترام للدستور منذ لحظاته الأولى، حيث جرى خرقه جهارا نهارا، بقرارات أو سياسات أو حتى تشريعات مخالفة لنصوصه الصريحة، مثل إقالة وزير الدفاع المحصن بنص دستوري لمدة ثماني سنوات، ومثل قوانين قمع الإعلام والجمعيات الأهلية، والتظاهر، وعدم تخصيص النسب التي حددها الدستور للإنفاق الصحي والتعليمي في موازنة الدولة.. إلخ.

الجولة الحالية لمعركة تعديل الدستور ليست الأولى، فقد سبقها جولات عن طريق الدفع ببعض نواب البرلمان لتقديم طلبات مشفوعة بتوقيعات عدد كبير من زملائهم، وعن طريق الدفع ببعض الأذرع الإعلامية لطرح الموضوع في المقالات الرئيسية. وقد توقفت الجولات السابقة بعد ضوء أحمر غربي، وخاصة أمريكي، للسيسي، بعدم الاقتراب من الدستور، ولكنها عادت ربما لجس النبض الأمريكي مجددا، بعد صمت الإدارة الأمريكية على عدة خروقات علنية واضحة للدستور، كان أبرزها الإطاحة بوزير الدفاع قبل انتهاء المدة الدستورية له، وسن مجموعة من القوانين المخالفة علنا للدستور، وربما حصل السيسي على تعهدات من أصدقائه الصهاينة بالتدخل بقوة لدى إدارة ترامب لقبول هذه التعديلات للبقاء على راس السلطة حماية لأمن إسرائيل.

السيسي لا يتصور نفسه خارج السلطة بعد أن أخذها بالسيف الأملح، حسب تعيبر آل سعود، ولا يتصور وجود شخص غيره في موقع الرئاسة طيلة حياته، اللهم إلا إذا جاء محللا على طريقة بوتين ومديفيدف في روسيا، أو إذا كان وصيا هو على الرئيس، كما هو حال نظام الولي الفقيه في إيران، مع تغيير وصفه إلى “الولي العسكري”، ولذلك تدور المقترحات حتى الآن حول تعديل النص المحدد لمدة الحكم ولفترات الولاية، وهو النص 140 (ينتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات ميلادية، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا لمرة واحدة). ويقترح التعديل مد فترة الرئاسة لست سنوات بدلا من أربع، كما يجري بحث تأسيس مجلس لحماية الدستور برئاسة دائمة للسيسي؛ بصلاحيات واسعة فوق الرئيس نفسه. لكن المشكلة أن هناك نصا حاكما في الدستور(226) يمنع أي تعديلات خاصة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية، أو بمبادئ الحرية، أو المساواة، ما لم يكن التعديل متعلقاً بالمزيد من الضمانات، ولذلك فإن العيون الآن على حذف هذا النص ذاته، وساعتها سيصبح الدستور كله مستباحا، حيث تتزايد يوما بعد يوم المواد المستهدفة بالتعديل، والتي تتجاوز المواد الخاصة برئيس الدولة.

المهم الآن هو رد فعل القوى المناهضة والمعارضة للسيسي، أيضا القوى التي احتشدت من قبل من أجل هذا الدستور، بل المؤسسة المصرية لحماية الدستور التي أشهرها عدد ممن كتبوا دستور 2014، وعلى رأسهم عمرو موسى. وهذه المؤسسة هي امتداد لما كان يوصف بالحملة المصرية لحماية الدستور، والتي تأسست عقب ظهور المطالبات الأولى بتعديل الدستور أواخر 2015. وهذه المؤسسة ورموزها الذين صنعوا الدستور لم يعد لهم صوت مسموع في الوقت الحالي، وليس معروفا إن كانت “كمؤسسة قانونية” باقية أم سحب ترخيصها، خاصة أنها لم تحصل على الترخيص بشكل صريح حين تأسست، بل اعتبرت نفسها قائمة قانونا بعد مرور 60 يوما على تقديم طلب الإشهار دون أن تعترض السلطة المختصة وقتها.

الحركة المدنية والأحزاب والرموز المنضوية تحت لوائها مدعوة بدورها للتحرك في مواجهة هذا الانقلاب الجديد، والقوى المناهضة والمعارضة للسيسي في الخارج مدعوة للتحرك لوقف هذه الكارثة أيضا، والتي تقضي على بصيص أمل في الخلاص من السيسي بطريقة هادئة بعد ثلاث سنوات، يمكن للجميع احتمالها رغم كل صعوباتها.

هذه المعركة يمكن أن تكون فرصة نادرة لتوحد قوى المعارضة المصرية على هدف واحد دون خلاف على قضايا أخرى (يحتفظ كل فصيل بمشروعاته الأخرى مؤقتا)، إذ يكفي هذه القوى بمختلف توجهاتها السياسية أن تتعاون لمنع حدوث هذه التعديلات، وإذا نجحت في ذلك، فإنها ستفتح الباب لتغيير ديمقراطي يستطيع كل طرف بعده أن يعرض نفسه على الشعب ببرامجه ورموزه، ويستعيد الشعب حريته وإرادته وحقه في اختيار من يحكمه.
——-
نقلا عن “عربي21”

المقالات لا تعبر عن رأي بوابة الحرية والعدالة وإنما تعبر فقط عن آراء كاتبيها

Facebook Comments