مفهوم “فرق تسد” هو مصطلح سياسي عسكري اقتصادي، الأصل اللاتيني له”divide et impera”، ويعني تفريق قوة الخصم الكبيرة إلى أقسام متفرقة لتصبح أقل قوة، وهي غير متحدة مع بعضها البعض، مما يسهل التعامل معها، كذلك يتطرق المصطلح إلى القوى المتفرقة التي لم يسبق أن اتّحدت والتي يراد منعها من الاتحاد وتشكيل قوة كبيرة يصعب التعامل معها.

وكرة القدم هي في الحقيقة من يستحق لقب “أفيون الشعوب”؛ كونها فترة خدرٍ لذيذة، لطالما استغلها السياسيون والطغاة لصالحهم؛ ومرّ الإعلام بانتكاسات عديدة أبرزها مباراة أم درمان الشهيرة بين مصر والجزائر، التي حشد لها العسكر كل قواهم وخرجت فيما يشبه المعركة الحربية.

معركة حربية

ونجح العسكر بمصر وقتها فى خلق حالة من التوتر بين البلدين الشقيقين، وكشفت تلك المباراة عن أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للحدث، وإنما أصبح مشاركا فى صنعه، وفى أحيان كثيرة يكون صانعا له.

متناسيًا دوره في توجيه الرأي العام ونبذ التعصب الرياضي الذى يسهم بشكل كبير فى تفتيت وحدة أبناء الوطن الواحد، وهو ما تأكَّد عقب أحداث مباراة الأهلي والمصري في عام 2012، والتي قدمها الإعلام باعتبارها معركة حربية وليست مجرد مباراة كرة قدم، ثم مجزرة مباراة استاد الدفاع الجوي.

وانتشرت أنباء واسعة في الساعات الأخيرة عن أبرز قرارات لجنة الانضباط بالاتحاد المصري لكرة القدم، حول أحداث الشغب التي وقعت عقب نهاية مباراة قمة السوبر بين الأهلي والزمالك في الإمارات.

وتم تداول تسريبات من الجبلاية تؤكد اتخاذ لجنة الانضباط قرارًا بإيقاف محمود عبد الرازق شيكابالا 8 مباريات مقبلة مع تغريمه مبلغًا ماليًّا 50 ألف جنيه، نظير القيام بإشارات خادشة لجماهير الأهلي عقب نهاية المباراة، بدايةً من قمة الدوري المقبلة المقرر إقامتها بين الفريقين في الرابع والعشرين من فبراير الجاري.

يقول الناشط محمود طلب: “طيب يا جماعة لما تلعبوا الماتش فى مصر ويتعملكوا قيمة وكرامة كجمهور فى بلدكوا وتعرفوا تحضروه الأول وبعدين ابقوا اتخانقوا واشتموا بعض”.

وحين استضافت إيطاليا كأس العالم عام 1934، قال موسوليني: “لم أتصور أن ولاء الإيطاليين لهذه اللعبة يفوق ولاءهم لإيطاليا وأحزابها الوطنية، سنفعل ما بوسعنا لاستضافة البطولة القادمة”، (وبالفعل استضافت إيطاليا البطولة التالية عام 1938).

وبعد فوز إنجلترا بكأس العالم 1966، كتب وزير الاقتصاد روبرت كروسمان: “هذا النصر سيخفف الضغوط على الجنيه الإسترليني ويحد من عمليات المتاجرة ضده”. أما رئيس الوزراء “هارولد ويلسون” فحاول تجيير الفوز لصالح حزبه، حين قال “لم تكن إنجلترا ستفوز بكأس العالم لو بقيت في ظل حكومة العمال”.

سياسة عالمية

وحين استولى الجنرالات على الحكم في الأرجنتين، فعلوا المستحيل لضمان استضافة كأس العالم عام 1978، ثم دفعوا من الرشاوى ما وضع الفريق الأرجنتيني منذ البداية في مجموعة ضعيفة تبعدها عن مواجهة البرازيل.

وفي الأدوار النهائية بدا مؤكدًا أن البرازيل ستتأهل للمباراة الختامية بعد تغلبها على بولندا بنتيجة (3/صفر) كون هذه النتيجة تعني أن على الأرجنتين التغلب على فريق بيرو القوي بفارق (أربعة لصفر) كي تتأهل للمباراة النهائية.

وفي موقعة تخاذل فيها منتخب البيرو فازت الأرجنتين (6/صفر)، فأقصت بذلك البرازيل وفازت بالكأس على حساب هولندا.. وبعد فترة طويلة اتضح أنَّ البنك المركزي الأرجنتيني اشترى تلك المباراة من حكومة البيرو نظير شطب 500 مليون دولار كديون مستحقة عليها، في حين وصلت إلى اللاعبين الأرجنتينيين تهديدات بالتصفية الجسدية في حال خسروا أمام هولندا.

وسياسة فرق تسد ليست بسياسة جديدة، بل هي قديمة قدم السياسة نفسها، حيث طبقها السومريون والمصريون واليونانيون القدماء لتفكيك قوى أعدائهم، وتحييد هذه القوى من خلال توجيهها داخليا واحدة ضد الأخرى.

والاستعمار في شكله الحالي ومنذ نشأته في بداية سبعينيات القرن التاسع عشر، طبّق هذا الأسلوب القديم في السياسة لنفس الأغراض والأهداف، ومن أجل إضفاء الشرعية على احتلاله لبلد ما من خلال الظهور.

ويبدو أن سياسة فرق تسد تأتي بعد مرحلة فرق تغزو؛ لأن استعباد شعب ما والاستيلاء على أراضيه وثرواته يتطلب أولاً إنهاك قواه العسكرية والاقتصادية لغرض تسهيل العملية وتقليص التكاليف.

وهذا يتم عادة من خلال إثارة الفتنة والتحريض على العنصرية، ونشر روح الانتقام بين الشعب والطبقات المكونة له، وإشعال حروب داخلية وخارجية تنتهى بإنهاك قوى كافة الأطراف.

Facebook Comments