كان يَسَعُه أن يسكت أو يسعه بيته، ولم يكن أحد سيدري عنه شيئًا، لكنّه آثر أن ينطق فيُؤذَى، ورحل كاشفًا الحقيقة. وفجر اليوم الأحد، توفي فارس المنبر الداعية الشيخ فوزي السعيد، إمام وخطيب مسجد التوحيد في رمسيس، بعد تدهور حالته الصحية عن عمر يناهز 74 عامًا .

الشيخ فوزي السعيد يعد من كبار الشيوخ الذين ورثوا الصدع بالحق، وكان يعمل مهندسًا بإحدى شركات القاهرة الكبرى، كما أنه مؤسس وخطيب مسجد “التوحيد” الشهير بشارع رمسيس بالقاهرة.

ربع كِلية!

وفي وقت سابق، توفيت ابنة السعيد قبل زفافها بأسبوعين، وهو معتقل داخل سجون الانقلاب العسكري، وأصيب بالفشل الكلوي وتدهورت صحته، حتى قال الأطباء إنه يعيش بربع كِلية فقط، وخرج بعدها وظل متأثرًا بمرضه إلى أن توفاه الله اليوم.

وعند غدر الجيش بأول رئيس مدني منتخب، كان السعيد من الرافضين لذلك، وشارك بقوة في اعتصامات مؤيدي الشرعية بميداني “رابعة” و”النهضة”، وهو أول من وجّه الكلمة للعميل الأمنجي “ياسر برهامى”، ووصفه بـ”بلعام بن باعوراء”.

يقول الناشط المهندس ربيع حداد: “رحم الله الشيخ فوزي السعيد وأسكنه الفردوس الأعلى. من بقية الدعاة القدامى، رمز التواضع والعلم والعمل، لم يبحث يومًا عن شهرة أو منصب رغم أن دروسه كان يحضرها الآلاف. قبْض العلم بقبض العلماء، اللهم هون علينا في مصيبتنا واخلف لنا خيرا منها”.

ولدى انعقاد أول انتخابات رئاسية مدنية بمصر، عقب ثورة 25 يناير، في عام 2012، كان الشيخ فوزي من الدعاة الذين أعلنوا عن مواقفهم بقوة في تأييد الرئيس الشهيد محمد مرسي، بل كان من علماء “الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح” المؤيدين له، كما كان من مؤيدي مشروعه للنهضة.

مع الاعتصام

وكانت له خطبة شهيرة بميدان “النهضة” قبل الفض الدموي للاعتصام به، إلا أن سلطات الانقلاب عاقبته لاحقًا بمنعه من أداء خطبة الجمعة في مسجد “التوحيد”، ثم قامت بعدها باعتقاله، وبقي قرابة عامين في سجن “طره” بدون سبب قضائي، وبغير إجراءات قانونية.

لكن سلطات الانقلاب قامت بإطلاق سراحه فجأة، استجابة لحكم قضائي، شمله ضمن 10 قيادات إسلامية معارضة، كانت تُحاكم جميعًا على خلفية القضية المعروفة إعلاميًا بـ”تحالف دعم الشرعية”، إذ كانوا يواجهون تهمًا تتضمن “بث أخبار كاذبة”، لكن محكمة جنايات شمال القاهرة برأتهم منها، في مارس 2016، بضمان محال إقامتهم، مانحة الشرطة حق اتخاذ تدابير احترازية بحقهم، ولم تطعن النيابة العامة من جانبها على قرار المحكمة، الذي جاء في أعقاب أكثر من عامين قضاهما السعيد في الحبس الاحتياطي، وتعرض فيهما لتدهور حالته الصحية بشدة في السجن، حيث أصيب في محبسه بمرض السكر المرتفع، وقصور الكلى، وضغط الدم المرتفع، واضطرابات القلب.

تروي الأسيرة عائشة خيرت الشاطر، كريمة نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، معاناة “السعيد” داخل معتقلات الانقلاب، وثباته لدى تلقيه خبر وفاة ابنته “منة الله”، بعد أن منعه الانقلاب من حضور جنازتها وعزائها .

أين أمك وإخوتك؟

وقالت عائشة الشاطر، في منشور سابق عبر “فيسبوك”: “ولما جلست أفكر في حال الشيخ ‫‏فوزي السعيد وأنا أسمع أحدا يروي كيفية معرفته بخبر وفاة ‫‏ابنته، إذ يخرج لتلك ‫‏الزيارة التي ينتظرها شوقا لأسرته فلا يجد إلا أحد أفراد العائلة متغير الهيئة، فيسأله: أين أمك وإخوتك؟”.

وتابعت: “وهو يلقاه فرحًا بقدومه، فيقول له لن يأتوا فلقد توفيت أختي، فيصمت ‫‏الشيخ قليلا مرددًا “إنا لله و إنا اليه راجعون”، لقد استرد الله وديعته فالحمد لله على كل حال”.

وأكدت “الشاطر” أنها لم تتعجب من ثبات الشيخ الجليل، متسائلة: “فإن لم يكن هو أهلا له فمن يكون؟” مضيفة: “ولكن دفعني الألم والحزن لما أصاب أهله بالشفقة عليه”.

وتساءلت: “ما الذي يدفع بمثله أن يكون في مثل هذا الموقف بهذا المكان؟”، مجيبة: “ضريبة قول الحق.. ضريبة جهاد الكلمة التي تجعله الآن خلف القضبان، تلك الضريبة التي كتبت له الأجر مضاعفًا، أجر بلاء الله له باسترداد وديعته، وأجر وقوع بلاء مثل ذلك عليه بالسجن”.

وخاطبت الشيخ فوزي، رحمه الله، بالقول: “فيا شيخنا صبرا فرغم عظم البلاء، فاحمد الله أن جعلك تدفع ضريبة أنك تقف مع الحق لا الباطل، ولم تفتن الناس أو تقبل الظلم أو تستحل الدماء أو تسكت عنها، احمد الله رغم بلائك أن جعلك فوزي السعيد ولم يجعلك علي جمعة أو عمرو خالد أو محمد حسان”.

قاوم الظالم

من جهته يقول الصحفي عمار مطاوع: “بعد بيان الجيش في 3 يوليو، أول مجموعة تم اعتقالها كانوا 3 أشخاص، خيرت الشاطر وحازم أبو إسماعيل وفوزي السعيد. الشيخ فوزي كان الهدف من اعتقاله أن يكتب بيانًا يقول فيه إن الاعتصام في ميدان رابعة معصية وإثم، ويدعو الناس للانسحاب لمنازلهم وطاعة قائد الجيش”.

مضيفا: “الشيخ فوزي يوميها رفض.. وخرج بعد يومين على وعد إنه هيعتزل الأمر ومالوش دعوة.. بس هوا خرج من هنا، وقام طالع على الاعتصام، وراح على المنصة وقال كلمة في تأييد المعتصمين موجودة كاملة على اليوتيوب”.

وتابع: “بتوع الأمن اتجننوا، ويوميها بالليل (بالتحديد يوم 5 يوليو) الأمن اقتحم مركز تحفيظ القرآن بتاع الشيخ، واعتقلوا 4 بنات منتقبات كانوا بيحفظوا قرآن جوا الدار.. واختفوا قسريا كام يوم، وبعدها اتعرضوا على النيابة بتهمة حيازة سلاح وممنوعات”.

موضحا: “البنات دي بعد أسبوع خرجوا بدون عرض نيابة ولا أي حاجة، لأن الشيخ اشترط إن البنات تخرج في مقابل إنه هينزل البيان.. وفعلا البنات خرجت.. وأول حاجة عملها الشيخ إنه راح الاعتصام تاني وقال كلمة من على المنصة، وأيد المتظاهرين وأعلن وقوفه مع مطالب الاعتصام.. والكلمة دي موجودة كاملة على اليوتيوب برضه”.

وأضاف مطاوع: “البنات دي قصتهم خلصت على كده، وما اتنشرش عنهم أي حاجة عشان مكنش حد لسه مستوعب إن هيبقى فيه اعتقال بنات، وإنها أكيد حادثة فردية ومش هتتكرر.. ولو بحثتوا مش هتلاقوا أي حاجة عن الواقعة دي، واتحولت سر واندفنت مع آلاف الانتهاكات اللي حصلت في الفترة دي واتردم عليها بالتراب”.

Facebook Comments