تأتى الذكرى السابعة لمجزرة ميدانى رابعة العدوية والنهضة ليثار نفس السؤال الذى يثار ليس كل عام بل كل يوم وكل ساعة.. من يحاكم القتلة والمجرمين والسفاحين الذين سفكوا دماء الأبرياء وقتلوهم بل ونكلوا بجثثهم فى مشاهد موثقة وعلى مرأى ومسمع من العالم؟ ولماذا لا يتحرك العالم والمنظمات الدولية لإنصاف المظلومين وأهالى الضحايا والقصاص من القتلة؟ هل الإحساس انعدم؟ وهل الضمير غاب لهذه الدرجة؟ ولماذا يحابى المجتمع الدولى الجناة على حساب الضحايا؟ .هذه المحاباة كشفت عنها جملة خرجت دون وعى من الرئيس الأمريكى دونالد ترامب عن قائد الانقلاب الدموى وسافك دماء الأبرياء عبد الفتاح السيسي "ديكتاتورى المفضل"؟

لكن المؤكد بغض النظر عن تأييد ترامب ودول كثيرة فى هذا العالم للمجرمين إلا أنه سيبقى "القصاص من السيسي والعسكر حق لن يضيع".

محاكمات جماعية

من جانبها كشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الحقوقية أبعاد المأساة وقالت إن سلطات الانقلاب لم تحقق مع أي من أفراد قوات الأمن أو تقاضيهم بعد مرور 7 سنوات على قتلهم المتظاهرين السلميين بشكل ممنهج وواسع النطاق في ميدانى رابعة العدوية والنهضة. وأشارت المنظمة إلى أن سلطات العسكر بدلا من أن تحاكم القتلة لفقت لآلاف المتظاهرين تهما غير عادلة في محاكمات جماعية على خلفية الاحتجاجات.

وأكدت أن الغياب الكلي للتحقيق في أكبر عمليات القتل الجماعي في تاريخ مصر الحديث، والتي ربما تصل إلى مصاف الجرائم ضد الإنسانية، يعزز الحاجة الملحة إلى إجراء تحقيق دولي.

كانت "هيومن رايتس ووتش" قد أصدرت في أغسطس 2014، نتائج التحقيق الذي استمر لمدة عام في مذبحة رابعة، وما أعقبها من حوادث قتل جماعية أخرى للمتظاهرين، استنادا إلى مقابلات مع أكثر من 200 شاهد، والتحقيقات في الموقع فور وقوع الهجمات، واستعراض لساعات من لقطات الفيديو، والأدلة المادية، وتصريحات المسئولين الرسميين.

وخلصت "هيومن رايتس ووتش" استنادا إلى هذه الأدلة إلى أن عمليات القتل لا تشكل انتهاكات خطيرة للقانون الدولي لحقوق الإنسان فحسب، بل إن من المحتمل أنها تشكل جرائم ضد الإنسانية، لكونها واسعة النطاق وممنهجة على حد سواء، ولوجود أدلة تشير إلى أن عمليات القتل كانت جزءا من سياسة متبعة.

غطاء قذر

ويرى عزت النمر، باحث  سياسي أن رابعة تعد أسوأ مجازر التاريخ الإنساني الحديث، كما أنها تمت على مرأى ومسمع من العالم بأسره، وعليه فهي جريمة لا تسقط بالتقادم.

وطالب النمر فى تصريحات صحفية بضرورة العمل على أن  يطال سيف الملاحقة القانونية والعار الأخلاقي كل من شارك فيها سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، معربا عن أسفه لأن موازين القوى وانعدام الضمير الإنساني وغياب الوازع الإخلاقي فضلا عن الحسابات السياسية هو ما منح غطاء قذرا لمرتكبي كل المجازر التي نفذها الانقلاب بدم بارد ولا يزال.

وأكد أن أهالي الشهداء لم ولن ينسوا ثأرهم ومازالت جذوة الأمل بقصاص عادل مشتعلة بنفوسهم على الرغم من طول الوقت والدعم المحيط بمجرمي الداخل من محيط إقليمي ودولي شارك بالجريمة وأشرف عليها.

وحول ملف محاسبة المسئولين عن تلك الجريمة؛ أوضح النمر أنه لا جديد فيه، لافتا إلى أن هذا يرجع لسببين: أولهما التواطؤ الدولي على الربيع العربي بعامة والملف المصري بخاصة لمكانة مصر من الأمة وحساسيتها بالقضية الفلسطينية، أما السبب الثاني فيتعلق بضعف أداء النخبة المصرية عامة وثغرات بالأداء الحقوقي والقانوني بادية بمحيط المعارضة.

جرائم ضد الإنسانية

وقالت سارة عطيفي أستاذة علوم سياسية مصرية بأمريكا: إن ما حدث بميادين رابعة والنهضة ورمسيس وغيرها جرائم ضد الإنسانية، مؤكدة أن الجريمة الإنسانية لا تسقط بالتقادم أو بالتحصين.

وأوضحت سارة فى تصريحات صحفية أن هناك أمثلة كثيرة منها ديكتاتور تشيلي أوجستو بينوشيه الذي تمت محاكمته ومن معه بعد عشرات الأعوام من جرائمه، وأيضا مرتكبا المجازر بحق المسلمين بالبوسنة، الصربيين راتكو ملاديتش، ورادوفان كراديتش، الذين تمت محاكمتهما بتهم الجرائم ضد الإنسانية.

وأضافت أن ملف محاسبة كبار المجرمين في حق المعتصمين وكل ما حدث ونتائجه يُسأل عنها المجلس الثوري المصري  وجماعة الإخوان المسلمين لأنهم على رأس الهرم الثوري وهم يقومون بدور كبير فى هذا المجال رغم الصعوبات.

حق لن يضيع

وأكد إبراهيم النملى محلل سياسي أن حق رابعة لن يضيع، مشيرا إلى أن رابعة الصمود".. شعار رفعته قبيل الذكرى السابعة، جماعة الإخوان المسلمين التي تزعمت إدارة الاعتصام الشهير، ودفعت بسببه ثمنا باهظا.

وقال النملى فى تصريحات صحفية ان هذا الشعار يلخص رؤية المناصرين للاعتصام، في عبارة تاريخية: "ما ضاع حق وراءه مطالب". وأوضح أنه في هذا الشق يتحرك المناصرون لضحايا رابعة في ثلاثة مسارات هي: الإعلامي، الميداني، القضائي والحقوقي، وفي المسار الأخير يبرز مطلبا التدويل والعدالة الانتقالية.

‎وأضاف النملى: تحت لافتة أن "الجرائم لا تسقط بالتقادم"، يأتي في صدارة وسائل إحياء ذكرى الفض، التحرك إعلاميا وعلى منصات التواصل، إذ انتشرت صور ومقاطع فيديو تحمل مؤثرات حزينة، وأغانٍ تتحدث عن الذكرى وتكيل الاتهامات لنظام العسكر، وتحمله مسؤولية قتل المعتصمين.

واشار إلى أن التحرك الإعلامي يسعى إلى ترسيخ القضية حية فى أذهان المصريين وشعوب العالم موضحا أنه فى هذا الإطار يعتمد المناصرون على إحياء الذاكرة سنويا، وليس الذكرى فقط، فهناك شهود عيان لا يزالون على قيد الحياة، مثل ذلك الطفل الذي ماتت أمه بجواره في ميدان الفض، وغيره، وبالتالي يعولون على أن عامل الوقت سيكون في صالحهم رغم مرور السنوات.

وأعرب النملى عن أسفه لتراجع الحشد في الميادين، بسبب الملاحقات الأمنية، لافتا إلى أن الحشد ينشط خارج مصر، لا سيما في الدول الغربية، حيث ينفذ المصريون وقفات للمطالبة بمحاسبة القتلة، وعادة ما يهاجمون السيسي والنظام. وقال هنا يحاول المناصرون تنبيه تلك الدول إلى أن الذاكرة لم تمت بعد، وهو حشد له تأثيره المعنوي ولن يجبر دول ذات علاقة جيدة مع نظام العسكر على أن تغامر بفتح مسار قضائي للملاحقة بشأن "رابعة" يعكر صفو العلاقات في منطقة مضطربة وعالم متغير جراء جائحة "كورونا".

وخلص النملى إلى القول: بخلاف الحشد الإعلامي والميداني، يظهر الحشد القضائي والحقوقي، وهو لم يستطع حتى الآن إلا إنجاز مئات البيانات المرتبطة بالحدث، دون أن ينقل المطالبات بمحاسبة الجناة إلى مربع الفعل الحقيقي بفتح تحقيقات دولية جادة.

Facebook Comments