من منا لا يحب بلده؟ ومن منا لا يبغى ظهوره ورقيه؟ ووالله لهذا البلد أحب بلاد الله إلىَّ رغم بغضى لأنظمته الفاشية، وما أحببت شيئًا بعد دينى ورحمى مثل هذا الوطن الطيب أهله، وما أردت له إلا الخير، وما تمنيت إلا أن يكون عظيمًا كريمًا؛ من أجل ذلك سأظل أدافع عنه ما حييت، وما أملك إلا نفسى وقلمى، وما ضاع حق وراء مُطَالِب.

يقول المستبدون –مراوغة وخداعًا- نحن فى انتظار الازدهار و«الخير جاى»، ونقول كذبتم لن يأتى ازدهار ولن يجىء خير على أيديكم؛ فالأيادى الطاهرة هى التى تجلب النعم وتستدر الأرزاق، أما أياديكم فقد لوثتها الدماء والبطش والسرقات، وربك لا يصلح عمل المفسدين، ووعودكم وعود الشياطين التى لا تعد إلا الفقر ولا تأمر إلا بالفحشاء.

سبعون عامًا من الوعود الكاذبة، والأمانى الخادعة، والاستخفاف والتدليس فما وجد الناس غير سراب بقيعة، سبعة عقود من التضليل لم ننجز خلالها سوى الهزائم المنكرة المتتالية، والانتكاسات والنكبات، وقد تبدلت أحوال المحروسة من الغنى إلى الفقر، ومن الريادة إلى الضعة، ومن الظهور إلى التوارى والانكسار. إنهم يكذبون ويتحرون الكذب، ولا يستحيون من الله، ولا يخشون أحدًا من الناس، ولا يشعرون بأدنى خجل إن علم الناس أنهم منافقون، يقولون ما لا يفعلون..

أين شبكة الطرق التى ستربط مصر برباط من حديد وقد ادعوا أنها ستكتمل خلال عام؟ ما زالت الطرق على حالها البائس منذ ست سنوات، بل ازدات سوءًا، وقد فرضوا عليها «الكارتة» المجحفة، وقرروا ثمنًا للمرور على الكبارى، وضاعفوا ضريبة السيارات بحجة تحسين الطرق؛ بل أين محصول السمك الذى خصصوا له الكتائب والسرايا، وجعلوا لكل صنف قادة، وقالوا سيكون غزيرًا وفى متناول الفقراء، فإذا بسعره يتضاعف وإذا بالفقير يحلم به دون القدرة على شرائه؛ بل أين دور مصر فى الزعامة والإنقاذ بعدما أطلقوا شعار: «مسافة السكة» وقد قُتل بعدها الآلاف من أهل اليمن وسوريا وليبيا وتم تهجير الملايين، ولماذا نذهب بعيدًا: بل أين هم من الطيران الصهيونى الذى يضرب عمق سيناء ولا يتعرضون له، كما أنهك الجولان وغزة وجنول لبنان ولا مجيب.

لقد وعدونا السمن والعسل فلم نطعم سوى المر، ووعدونا المنَّ والسلوى فلم نذق إلا الحنظل، قالوا ستكون مصر «قد الدنيا» فصارت فى ذيل قائمة الدنيا، فى كل شىء، ثم أذاقوا الشعب ألوان العذاب، فما وُجد الآن على وجه البسيطة شعبٌ ضاعت حقوقه وانتهكت آدميته مثل الشعب المصرى الذى قدم آلاف الشهداء على يد هؤلاء الفاشيين ولا زالت تضحياته على مرأى القريب والبعيد.

لم يجد الناس شيئًا مما وعدوهم به، بل وجدوا العجز فى كل شىء، فلما نقدوهم قالوا اصبروا سنتين فصبروا السنتين، فقالوا أمهلونا ستة أشهر أخرى، فأمهلوهم لكن لا جدوى من الإمهال وقد كُتب على جبينهم الفشل، وألزمهم الله «عدم التوفيق»، والشعب لا يطلب الآن سوى رحيلهم، لكنهم مستمسكون بالسلطة بقوة السلاح وغشم الحكم، ويتساءل الناس: أليس منكم رجل رشيد يقيم المائل ويعجِّل بالحل؟ أكلهم هكذا على تلك الصورة من البطر والضلال؟

ونقول للناس: لا تنتظروا ازدهارًا ولا تتحدثوا عن خير آت، بل ابحثوا عن طرق إنقاذ وأدوات لتجنب الفوضى والاقتتال، وهى مرحلة تالية لمرحلة الفشل هذه، وهى واقعة -لا محالة- إذا لم توجد الحلول العاجلة، والأمثلة جلية أمام أعيننا فى منطقتنا وفى غيرها.

لن يأتى الازدهار للظلم الواقع على الناس؛ فإن الظلم ظلمات؛ وللمحسوبية؛ ولمعاداتهم الدين ومحاداة شرعه. ومن يغلب الله؟ فالخذلان نصيب من يفتنون أولياء الله، والهزيمة حق على كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب؛ ولن يأتى الازدهار لكبرهم وعتوهم، واتباعهم شياطين الإنس وأعداء الدين، فضلاً عن افتقادهم الحد الأدنى من مقومات الدول الحديثة وهو الانتماء، فهم فى غيبة تامة عن معانى الوطنية والمواطنة.

وكيف يجىء الازدهار وقد أغرقونا فى الديون، وكبلونا بالقروض وسجنوا (60%) من الشعب فى قفص الفقر.. إن فاقد الشىء لا يعطيه، وهؤلاء لم يفقدوا أسباب النجاح فقط، بل فقدوا العقل، ونسوا الله، وتعطلت حواسهم، ولم تعد لديهم عواطف أو أحاسيس؛ فهم لذلك لا يقبلون النصح، ولا يأبون إلا أن يكونوا أذلة تابعين.. هؤلاء عميان لا يدركون أعلى الوادى من أدناه.

Facebook Comments