يتزايد تضييق الخناق داخليًّا على الصحفيين بمصر، في ظل وجود العشرات منهم في السجون وصدور أحكام بالسجن المؤبد مؤخرًا بحقهم. ووصل خنق مجال العمل الصحفي والإعلامي في مصر إلى مرحلة تستوجب إصدار تصاريح أمنية قبل الدخول لأي مكان أو إجراء أي حوار، أو حتى تنفيذ تقرير صحفي يحتاج إلى تصوير مع مواطنين عاديين في الشارع.

لازم تصريح

آخر التطبيق الفعلي لتلك المقدمة، عندما ألقت قوات الأمن في محافظة القليوبية، الجمعة الماضية، القبض على الصحفيين “خالد وربي” و”هاني شمشون”، واحتجزتهما في أحد أقسام الشرطة، لإعدادهما تقريرا عن أسعار الأضاحي في العيد.

وقبل احتجازهما، قال لهما أحد ضباط الشرطة: “لازم تاخدوا تصريح.. لا صحافة إلا بتصريح من الداخلية”، قبل أن يتدخل أعضاء في مجلس نقابة الصحفيين للإفراج عنهما. وعلق مقرر لجنة الحريات في نقابة الصحفيين، عمرو بدر، واصفا فرض استصدار تصريح أمني بـ”كارثة دفع ثمنها زملاء تم احتجازهم بالساعات أثناء عملهم في الشارع، حتى لو بيصوروا المحلات أو إشارات المرور.. في بعض الحالات بيتم إحالة الزملاء للنيابة”.

وأكد بدر أن لجنة الحريات في النقابة بدأت برصد حالات الزملاء الذين تعرضوا للاحتجاز خلال الفترة الأخيرة، على خلفية “ما يسمى بتصريح التغطية الصحافية غير القانوني”، على حد تعبيره. وأشار بدر إلى أن إجمالي عدد هذه الحالات سيُعلن عنه قريبا.

تقييد الصحافة

وقبل عام، اتخذت دولة العسكر عدة قرارات لتقييد الحريات والصحافة، بعدما أثارت عدة قرارات اتخذتها الهيئة الوطنية للصحافة، حالة من الجدل والمخاوف حول مستقبل الصحافة القومية في مصر، وخاصة بعد قرار الهيئة القاضي بإعادة هيكلة وتأمين المواقع الإلكترونية التابعة لتلك المؤسسات، بالتعاون مع إحدى الشركات الكبرى للأمن القومي، وتسديد ديونها، وبحث سبل تمويلها.

وفي السياق ذاته، أصدرت لجنة الحريات في نقابة الصحفيين  بشكل عاجل، مذكرة قُدمت يوم السبت الماضي إلى مجلس نقابة الصحفيين، ضد “تصاريح التغطية الصحفية”، ونصت على “تعرض الكثير من الزملاء الصحفيين خلال الفترة الأخيرة للاحتجاز من قبل أجهزة الأمن أثناء قيامهم بتغطية أحداث ميدانية، أو أثناء قيامهم بإعداد تقارير صحفية تحتاج إلى التصوير والنزول للشارع، وكانت الحجة التي تتمسك بها وزارة الداخلية كمبرر لاحتجاز الزملاء هي عدم وجود تصريح بالتغطية يصدر عن العلاقات العامة في الوزارة، وهو أمر غير منطقي ويمثل تجاوزا غير مقبول للقانون، فالقانون 180 لسنة 2018، كما تعلمون، قد أباح للزملاء الصحفيين تغطية المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة، كما أباح إجراء اللقاءات مع المواطنين والتصوير في الأماكن غير المحظور تصويرها، واقتصر طلب التصريح حسب نص القانون على (الحالات التي تتطلب ذلك)، وهو ما يعني أن الأصل هو الإباحة، وأن الاستثناء هو طلب التصريح في أماكن محددة يجب إعلانها حتى تكون معلومة للكافة”.

تدمير للعلم

كما جاء في المذكرة: “لما كان المنع والاحتجاز قد شمل زملاء يعدون تقارير عن (ترام الإسكندرية) أو أسعار لحوم الأضاحي في الأسواق أو تصوير إشارات المرور أو حتى تصوير أحداث رياضية، ولما كانت فكرة (التصريح) تدمر العمل الصحفي الذي يقوم على السرعة، لا سيما مع انتشار الصحافة الإلكترونية، لكل ذلك أرى أن وزارة الداخلية قد تجاوزت القانون ولم تلتزم بنصه الواضح، وذهبت إلى ما هو أبعد بكثير، هذا التجاوز الذي أراه يضرب المهنة في مقتل وينال من حرية وأمن وكرامة الزملاء الصحفيين”.

لا صحافة بدون حرية

يرى محرر بصحيفة الأخبار التابعة لسلطة الانقلاب، أن دلالات ذلك القرار عميقة والمخاوف على مستقبل الصحافة القومية في هذا الإطار خطيرة وتحتاج إلى ساعات وصفحات ودراسات، مؤكدا أنه “لا صحافة ولا إعلام بدون حرية”.

المحرر الذى رفض ذكر اسمه بحسب “عربي21″، قال: “باختصار شديد الصحافة (وأعني بها كل وسائل الإعلام والاتصال) في مصر ماتت أو تحتضر على أحسن الأحوال”، موضحًا أن ذلك “نتيجة لغياب أو تغييب الحرية وسوء الإدارة وتدهور مستوى الكوادر البشرية القائمة على المهنة”.

تجدر الإشارة إلى أن قوات الأمن المصرية ألقت القبض على الصحفية المتدربة في موقع “رصيف 22” وموقع صحيفة البيان الإماراتية، مي الصباغ، يوم 28 فبراير عام 2018، وبصحبتها المصور أحمد مصطفى، أثناء قيامها بتحقيق مصوَّر عن “ترام الإسكندرية”، قبل أن تقرر نيابة شرق الإسكندرية الكلية إخلاء سبيل الصباغ بكفالة ألفي جنيه، ومصطفى بكفالة ألف جنيه على ذمة التحقيقات.

ظاهرة الاحتجاز

وتكررت مثل هذه الواقعة مع صحفيين آخرين في أحداث أخرى، مثل تغطية حادث حريق محطة قطارات مصر في “ميدان رمسيس” وسط العاصمة القاهرة، وتغطية الأسوار الخرسانية التي يشيدها الجيش المصري على كورنيش الإسكندرية.

وطلبت مذكرة لجنة الحريات في نقابة الصحفيين من النقيب ومجلس النقابة، “الطعن أمام القضاء الإداري على قرار وزارة الداخلية بإلزام الصحفيين بالحصول على تصريح أمني قبل التغطية الصحفية، وتأكيد أن الأصل في القانون هو إباحة تغطية المؤتمرات والجلسات والاجتماعات العامة وإجراء اللقاءات مع المواطنين وتصوير الأماكن غير المحظور تصويرها”.

كما طالبت بـ”الطعن بعدم دستورية المادة 12 من القانون 180 لسنة 2018 الخاصة بالتصريح باعتبارها تخالف نصوص الدستور التي تكفل حرية الصحافة والنشر”، إضافة إلى “البدء بحوار جاد وعاجل مع وزارة الداخلية وكل المعنيين بالصحافة من أجل توضيح خطورة طلب التصريح على مهنة الصحافة والعاملين فيها، والتأكيد أنه يمثل قيدا مرفوضا على حرية العمل الصحفي”.

وأعلنت اللجنة أنها ستصدر تقريرًا دوريًّا يرصد ظاهرة “المنع والاحتجاز”، على خلفية مطلب “التصريح الأمني” كي يتابع الزملاء الصحفيون “تطور هذه القضية الخطيرة، ومدى نجاح اللجنة في التصدي لكل صور المنع والاحتجاز”.

تأميم

‏‏‏واعتبر نائب رئيس تحرير‏ ‏جريدة الشعب‏‏‏ رضا العراقي، أن الدولة بتلك القرارات وبعدما أطبقت يدها الأمنية على الصحافة تريد بنفس القبضة السيطرة على الصحافة الإلكترونية وإخضاعها لسيطرتها”، موضحا أنها “سنّت تلك الإجراءات لتقليصها في أضيق نطاق والسيطرة على المواقع الباقية”.

وأوضح أن “نقل المعلومة وحرية انتشارها أصبح مستحيلا بفعل الضوابط التي حزّمت تداولها ووضعت حجر عثرة فى طريق بلوغها للمتلقي، إلا من خلال ما تراه الحكومة من معلومات وفق رؤيتها”.

Facebook Comments