كتب رانيا قناوي:

تتشابه المذابح وتتكرر الأحزان يوميا على مدار عشرات السنين، في ظل الأنظمة العربية المتصهينة، التي يحكم فيها وكلاء بني صهيون، ويرتكبون تحت أجندتهم عشرات المذابح ضد الشعوب العربية والإسلامية، وراح ضحيتها مئات الآلاف من الأبرياء، إلا أن القاتل أصبح في زي مختلف، وتحول من القتل المباشر على يد بني صهيوني، للقتل غير المباشر على يد وكلاء بني صهيون من العرب.

ولعل الذكرى الـ47 لمذبحة بقر البقر التي استخدمت فيها الطائرات الإسرائيلية أبشع أنواع القتل ضد الأطفال في مدرسة بحر البقر في نفس هذا اليوم، الموافق الثامن من إبريل لسنة 1970، تتشابه مع مذابح العصر الحديث التي استخدم فيها نظام بشار الأسد بالوكالة عن الصهاينة عشرات الغارات الجوية التي يقوم بها يوميا ضد الشعب السوري، لقصفهم بأبشع أنواع الأسلحة الكيميائية، ومع جرائم نظام السيسي بعد الانقلاب العسكري في مصر، والذي قتل آلاف  الأبرياء بكافة أنواع الأسلحة بدءا من فض اعتصام رابعة العدوية والنهضة ونهاية بمذابح قرية البصارطة في دمياط.

بحر البقر
مجزرة بحر البقر هي هجوم شنته القوات الجوية الإسرائيلية في صباح الثامن من أبريل عام 1970 م، حيث قصفت طائرات من طراز "فانتوم" مدرسة بحر البقر المشتركة في قرية بحر البقر بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية في مصر، أدت إلى مقتل 30 طفلًا وإصابة 50 آخرين وتدمير مبنى المدرسة تماماً.

وفي صباح يوم الأربعاء 8 إبريل 1970م الموافق للثاني من صفر عام 1390هـ حلقت 5 طائرات إسرائيلية من طراز إف-4 فانتوم الثانية على الطيران المنخفض، ثم قامت في تمام الساعة التاسعة وعشرين دقيقة من صباح يوم الأربعاء بقصف المدرسة بشكل مباشر بواسطة خمس قنابل (تزن 1000 رطل) وصاروخين، وأدي هذا لتدمير المبنى بالكامل.

انتقلت على الفور سيارات الإطفاء والإسعاف لنقل المصابين وجثث الضحايا ، وبعدها أصدرت وزارة الداخلية المصرية بياناً تفصيلياً بالحادث وأعلنت أن عدد الوفيات 29 طفلا وقتها وبلغ عدد المصابين أكثر من 50 فيهم حالات خطيرة ، وأصيب عشرات التلاميذ والمدرسين و11 شخصاً من العاملين بالمدرسة.

بعد وقوع الحادث مباشرة وبالتحديد في الساعة الثالثة من مساء يوم المذبحة، صرح المتحدث العسكري من تل أبيب «أنهم يحققون في الأمر» ، ثم أعقبه بتصريح آخر بعد ساعة: «أن الطائرات الإسرائيلية لم تضرب سوى أهداف عسكرية في غارتها على الأراضي المصرية».

وعقب الحادث صرح موشى ديان وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها ليتحدث إلى راديو "إسرائيل" قائلا: "المدرسة التي ضربتها طائرات الفانتوم هدف عسكري"، وادعى قائلا إن المدرسة كانت قاعدة عسكرية وإن المصريون يضعون الأطفال فيها للتمويه.

وقام يوسف تكواه مندوب إسرائيل في الأمم المتحدة، برسالة للمنظمة الدولية، كتب فيها: "تلاميذ المدرسة الابتدائية كانوا يرتدون الزي الكاكي اللون، وكانوا يتلقون التدريب العسكري"!. وصرح راديو إسرائيل عن الضحايا “أنهم كانوا أعضاء في منظمة تخريبية عسكرية".

البصارطة تكرار للادعاءات نفسها
ولعل مذبحة "بحر البقر" التي نفذتها طائرات الكيان الصهيوني، وحصدت خلالها عشرات الأطفال، نقطة البداية للمذابح التي قام بها وكلاء بني صهيوني على مدار التاريخ الحديث، وعلى رأسها مذبحة رابعة العدوية والنهضة (أغسطس 2013) التي حصدت خلالها آلة القتل في جيش عبد الفتاح السيسي، أرواح آلاف الأبرياء من المعتصمين سلميا، احتجاجا على الانقلاب العسكري على الرئيس محمد مرسي يونيو 2013.
 
وامتدت جرائم السيسي في قتل العشرات يوميا في قرى ونجوع مصر التي كانت تخرج احتجاجا على الانقلاب وتصفية المصريين في الشوارع، ومن هذه المذابح تأتي مذبحة قرية البصارطة بمحافظة دمياط، التي يخرج أهلها يوميا ضد سياسات السيسي، حتى أنها أصبحت محل اهتمام نظام الانقلاب الذي عمد على اعتقال المئات من أهلها وتصفية العشرات بالرصاص الحي أمام أعين المواطنين، لتذكر بمذابح دنشواي وغيرها.
 
فبينما كان عبدالفتاح السيسي يحمل الورود الحمراء في موسكو لدى مشاركته في احتفالات روسيا بيوم النصر في الحرب العالمية الثانية، العام قبل الماضي، كانت أجهزته الأمنية ترتكب مذبحة مروعة، في قرية البصارطة، أسفرت عن مصرع ستة مصريين، وإصابة واعتقال العشرات، على خلفية قمع احتجاجات خرجت في القرية، مطالبة بإطلاق سراح 13 فتاة، وثلاثة رجال، اعتقلوا، لدى مشاركتهم في مسيرة سلمية مسائية.
 
وأعادت وقائع اقتحامها إلى الأذهان ذكرى السيناريو نفسه الذي تعرضت له قرى: الميمون في بني سويف، ودلجا في المنيا، وناهيا وكرداسة في الجيزة، وغيرها من القرى التي حاصرتها قوات الأمن، وارتكبت فيها مجازر مروعة، وبرغم ذلك ظلت مستعصية على نظام السيسي.
 
وجاءت مبررات مذبحة البصارطة بنفس خلفية مبررات المذبحة التي قامت بها الصهاينة في مدرسة بحر البقر، حيث زعمت سلطات الانقلاب أن اعتقال الفتيات الـ 13، جاء لأنهن كن يحملن سلاحا، وسجلت لهن محاضر ملفقة بإحراز بنادق خرطوش معهن، وأجبرت الفتيات على تسجيل اعترافات بجرائم لا علاقة لهن بها.

مذبحة خان شيخون
ولا ينفصل الواقع السوري بقيادة بشار الأسد صاحب أكبر مذابح في تاريخ الدول العربية، عن الواقع العربي في أنظمته العميلة التي تعمل بالوكالة عن الصهاينة، فبشار استطاع في خمس سنوات أن يحصد أرواح 600 ألف إنسان من الشعب السوري، في الوقت الذي لم تحصد إسرائيل نفسها خمس هذا الرقم من خلال حروبها مع الدول العربية قاطبة.

ففي مذبحة واحدة من مئات المذابح التي قام بها بشار ضد الشعب السوري، قُتل 100 شخص وأصيب نحو 400، إثر استهداف طيران النظام السوري، صباح الثلاثاء الماضي، مدينة خان شيخون في ريف إدلب الجنوبي، بقصف عنيف بقنابل تحوي مواد كيماوية سامة تسببت في حالات اختناق.

وأعلن الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، عبر حسابه الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، مقتل 100 شخص وإصابة 400 آخرين في القصف الذي استهدف بلدة خان شيخون جنوبي إدلب.

ودعت المعارضة السورية مجلس الأمن الدولي لعقد جلسة طارئة على خلفية "الجريمة" التي حدثت في ريف إدلب الجنوبي، وفتح تحقيق فوري، واتخاذ ما يلزم من تدابير تضمن محاسبة المسؤولين والمنفذين والداعمين المتورطين فيها.

وأعلنت "شبكة شام الإخبارية"، أن "طائرات من (سوخوي 22) شنّت غارات جوية بصواريخ محملة بغازات سامة استهدفت قلب مدينة خان شيخون بريف إدلب".

وجاءت نفس المبررات لنظام بشار على شاكلة أخواتها السابقة، بأنه لم يتم استخدام غازات سامة، وأن الطائرات استهدفت مسلحين وتشكيلات إرهابية تعمل ضد النظام.


 

لتؤكد هذه المذابح أن ما حدث في بحر البقر عام 1970 هو ما تم في البصارطة عام 2015 و ما يتم في سوريا كل يوم لا ينفصل عما حدث في الماضي.

وكشفت هذه المذابح أن العدوان الصهيوني بعد أن كان عدوانا مكشوفا يتم بالأيدي الصهيونية، فقد أصبح الآن يتم عبر أدواته في المنطقة و عملائه من حكام العرب، في الوقت الذي استطاع فيه وكلاء بني صهيون من العرب حصد مئات الآلاف من أرواح شعوبهم، بعشر أضعاف ما استطاعت خلاله ألة القتل الصهيونية حصد أرواح العرب والمسلمين على مدار تاريخ الحروب بين الجانبين.

Facebook Comments